الإسبال
جديد الموقع

الإسبال

Facebook Twitter Google+ LinkedIn

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ، والحمد لله ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ وسَلَّمَ عَلَى نَبيِّنا مُحمَّدٍ، وعَلَى آلِهِ وصَحْبهِ وسَلَّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدِّين؛



قالَ الإمام أبُو عبد الله بن بطَّة  - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: "وَمِنَ اَلْبِدَعِ: أَنْ يُسْبِلَ اَلرَّجُلُ إِزَارَهُ، وَهُوَ اَلسَّرَاوِيلُ عَلَى عَقِبَيْهِ. وَقَالَ اَلنَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((لَا يَنْظُرُ اَللَّهُ إِلَى اَلْمُسْبِلِ إِزَارَهُ مِنْ اَلْخُيَلَاءِ))".



قال الشيخ محمد بن هادي المدخلي -حفظه الله-:



قولُ المصنِّف - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَمِنَ اَلْبِدَعِ"، يعني: ومن الإحداث في دين الله، (( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ - فِي ديننا هذا ما ليسَ مِنْهُ - فَهُوَ رَدٌّ ))، "أَنْ يُسْبِلَ اَلرَّجُلُ إِزَارَهُ، وَهُوَ اَلسَّرَاوِيلُ عَلَى عَقِبَيْهِ"، فسَّره المصنِّف - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -  بما هو شائعٌ في زمانه،«السَّراويل»، وإلاَّ الحديث جاءَ بلفظ: «الإزار»، والإسبالُ كبيرةٌ من كبائر الذُّنوب؛ عظَّم أمرها رسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وذلكَ في عدَّة أحاديثٍ صحَّت عنهُ - عليه الصَّلاة والسَّلام -،



 



فمن ذلكَ: حديث أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - في "صحيح البُخاري" عن النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -  قالَ: ((مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ مِنَ الْإِزَارِ فِي النَّارِ )).



والحديث وإنْ جاء بلفظ: «الإزار»، فإنهُ يشمل الإزار، والقميص، ويشمل السَّراويل، ويشمل البناطيل الَّتي تلبس اليوم، أيِّ نوع ٍكانت، قطنًا أو كتانًا، أو ما يسمُّونه بالحرير الصِّناعي، أو الجنز، أو نحوه، كلها سواء، فالسراويل، والبناطيل، والقُمُص هذه الَّتي نلبسها، وتلبسونها أنتم، والأُزر كلها سواء، والأحاديث وإنْ وردت بلفظ: «الإزار»، إلِّا إنها شاملةٌ لذلك كلّه، فإنَّ الإزار عامٌ، يعمُّ كل ما اتَّزر به الإنسان وستر به عورته، وسوْءَته، وقد فهم العلماء كلُّهم هذا، إلاَّ من كان في نفسه هوًى؛ ولهذا بوب البُخاريُّ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في "صحيحه" على هذا الحديث، حديث أبي هريرة السَّابق، بوب عليه تبويبًا مطلقًا، وترجم عليه ترجمةً مطلقًا فلم يقيّده، حيثُ قالَ - رَحِمَهُ اللهُ - في "صحيحه": «بابُ ما أسفل من الكعبين فهو في النَّار»، يعني: من اللِّباس سواءً كانَ قميصًا، أو إزارًا، أو سراويل، أو نحو ذلك، فلم يقيِّده - رَحِمَهُ اللهُ - بالإزار، لأنَّ هذا اللَّفظ لقب، ولا يراد به ما اتُزِر به فقط دون ما تُقُمّص، ودون ما لُبس من السَّراويل، ولهذا قالَ الحافظ ابن حجر - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - معلقًا على تبويب البُخاريّ هذا الآنف ذكره الَّذي ذكرناه الَّذي قال فيه: «بابُ ما أسفل من الكعبين فهو في النَّار»، لم يقيِّده، يقول ابن حجر - رَحِمَهُ اللهُ -: كأنهُ ـ يعني: البُخاريّ ـ أشار إلى لفظ حديث أبي سعيدٍ عند مالكٍ، وأبي داود، والنَّسائي، وابن ماجه، وأبي عوانة، وابن حِبَّان، ورجاله رجال مسلم، يعني: أنهُ حديثٌ صحيحٌ مطلقًا لم يأتِ فيه لفظ: «الإزار»، وهذا الَّذي فهمه البخاريّ، وفهمه علماء الإسلام، هو الَّذي درجَ عليه فهم أصحاب رسُول اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فقد جاء في "سنن أبي داود" -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى – من حديث ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - موقوفًا عليه، قالَ: "ما قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الإزار، فهو في القميص"، يقول ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - كما هو عند أبي داود: "ما قال رسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الإزار فهو في القميص". فهذا إذًا الفهم من البُخاريّ مرتجل، أو أنه مقتدٍ فيه، مقتدٍ فيه بأصحاب رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقال الطَّبري - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - فيما نقله عنه الحافظ: "إنما ورد الخبر بلفظ: «الإزار»، لأنَّ النَّاس في عهد رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانوا يلبسون الأُزُر والأردية"، الأُزُر والأردية: يعني: مثل الحج، هذا لباسهم، أكثر لباسهم هذا مثل الحج، حجَّاجًا عليه رداءٌ، وإزارٌ متزرٌ به، فالإمام الطَّبري - رَحِمَهُ اللهُ – يقول: "إنما ورد الخبر بلفظ: «الإزار و الرِّداء»، لأنَّ النَّاس في عهده - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانوا يلبسون الأُزُر والأردية، فلمَّا لبس الناس القُمُص والدَّراريع - الدَّراريع: المدارع، فلمَّا لبس النَّاس القُمُص والدَّراريع.



القُمُص: الثِّياب هذه الَّتي نلبسها.



والدَّراريع: عليها نحوًا من هذا، قريبًا من هذا، تكون كالجبَّه نحوًا فوقها، لكنَّها أخف، يقول: فلمَّا لبس النَّاس القُمُص والدَّراريع، كانَ حكمها حكم الإزار في النَّهي".



وقال ابن بطَّالٍ - رَحِمَهُ اللهُ - في "شرح البُخاريّ" وهو مطبوعٌ قديمًا، كانَ مخطوطًا، ومن قريبٍ من حوالي أربع عشرة سنة، أو نحو ذلك، طُبع الكتاب، وخرج، وهو موجودٌ في الأسواق، قالَ ابن بطَّالٍ فيه -في هذا الموضع - قالَ: "هذا قياسٌ صحيحٌ" يعني: قياس القُمُص هذه الثِّياب الَّتي نلبسها على الإزار. يقول: "هذا قياسٌ صحيحٌ، لو لم يأتِ النَّص بالثَّوب فإنهُ يشمل الجميع"، وصدقَ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -.



وهذا الكلام الَّذي دعانا إليه هو ما نسمعه اليوم من بعض المتكلِّمين المتحذلقين المصادمين بكلامهم كلام أهل العلم القائم كلامهم على الرِّواية عن رسول اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وعن أصحابه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِين -، وإذا كان الأمر كذلك فلا وزن في ميزان التَّحقيق لقول هؤلاء؛ قولهم مردودٌ عليهم، كيف قولهم؟ قولهم يقولون: (هذا ورد في الإزار، أما القُمص والبناطيل ونحوها ما يشملها)، هذا قولٌ فاسدٌ؛ مخالفٌ للمنصوص عن أصحاب رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وعن علماء السُّنَّةِ والأثر، فالإزار الأحاديث وردت فيه لكونه العام الغالب على النَّاس في ذلك الحين، وليس معنى ذلك أنَّ الإسبال المنهي عنه إنَّما هو خاصٌّ به،وفي "الصَّحيحين" عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - والمحشِّي عندكم عزاهُ إلى "مسلم" وهذا قصورٌ، وإنَّما هو في "الصحيحين"، عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قالَ: ((مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ مِنْ مَخِيلَةٍ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).



وهذا الَّذي أشار اليه المصنِّف - رَحِمَهُ اللهُ - عندما قالَ: "لا ينظر الله -عَزَّ وَجَلَّ - إلى المسبل إزارهُ من الخُيلاء"، فـ"مَنْ جَرَّ ثَوْبهُ مِنْ مخيلةٍ" يعني: مِنْ خُيلاء، "لم ينظر الله إليه – جَلَّ وَعَلَا - يومَ القيامة"، وجاء أيضًا عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ – قالَ: قالَ رسُول اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ بَطَرًا)). يعني: كبرًا، وخيلاء، ((لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ بَطَرًا)) متفقٌ عليه.



فالحديث الأوَّل: حديث أبي هريرة بابٌ، وحديث ابن عمرٍ وحديث أبي هريرةَ هذا بابٌ آخر، ويؤيِّدها أيضًا حديث أبي ذرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ – قالَ: قالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (( ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ))، قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ مِرَارًا، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا؛ مَنْ هُمْ؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: ((الْمُسْبِلُ وَالْمَنَّانُ وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ)). خرَّجه مسلمٌ في "صحيحه".



أفبعد هذه الأحاديث يُقال عن الإسبال إنهُ لا شيء فيه؛ وإنَّما المحرَّم إنَّما هو الخيلاء؟! أنتم الآن تسمعون هذه الأحاديث: فيها الخيلاء، وغير الخيلاء، فغير الخيلاء جاء فيه: (( مَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ فَهُوَ فِي النَّارِ ))فهذا عقابٌ دلَّ على أنهُ من الكبائر، وقد سمعنا بعض المتحذلقين يقول: (أرادَ به ما نزل من الثِّياب هذا في النَّار)؛ قُلنا: هذا فقهٌ عجيبٌ غريبٌ، يردهُ ما خرَّجهُ عبد الرَّزَّاق في "مصنَّفه" بإسنادٍ صحيحٍ عن نافعٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – مولى ابن عمرَ، أنهُ قيلَ له مثل هذا، فقالَ: "ما ذنب هذه الثِّياب؟" إيش ذنب الثِّياب تحرق في النَّار؟ قيلَ: هذا الكلام لنافعٍ فردَّه، قالَ: "ما ذنب هذه الثِّياب؛ بل هو في القدمين". فالعقوبة لمن؟ العقوبة للعاقل الفاعل، أمَّا الثِّياب لا عقوبة عليها، فبعضهم تمسَّك بهذه العبارة، المراد بها الثِّياب، وتَرَك الجزء الآخر وهو الفتوى جاء بالاعتراض، وترك الفتوى من نافعٍ – رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - وأفتى هو بنفسه، ترك فتوى نافع الَّتي ورثها من مولاه عبد الله بن عمر- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا - وعن أصحاب رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال نافعٌ كما هو عند عبدالرزّاق بإسنادٍ صحيح: "ما ذنب هذه الثِّياب"، إيش ذنبها حتَّى تحرق في النَّار؟ بل هو في القدمين، في الوعيد بالإحراق بالنَّار إنَّما هو للقدمين، وإذا كان كذلك فأين تكون حينئذٍ النَّهاية للإزار؟ النَّهاية للإزار والقميص والبنطال والسَّراويل، النِّهاية إلى الكعب، إلى الكعب، فوق الكعب مباشرةً هذا نهايته، أسفل الكعب ليستعد من أنزله بقدميه لنار جهنَّم يوم القيامة، وإلِّا فأفضل الملبوس نصف السَّاق، فإنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد قالَ كما في حديث عبد الله بن مُغفَّل المُزني - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عند الطَّبراني بإسنادٍ جيِّدٍ حسنٍ، قالَ: (( أَزِرَةُ الْمُؤْمِنَ الَى أَنْصَافِ السَّاقَيْنِ )). هذا الأفضل، ((وليس عليه حرجٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ ، وَمَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ))، أنصاف السَّاقين وإن نزل فإلى الكعبين، وما تحت الكعبين فليستعد بكعبيه يوم القيامة لنار جهنَّم؛ -والعياذ بالله-، فهذا قول النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وذلك لأنَّ ما أسفل من الكعبين يُشعر بالكِبر والأشَر والبَطَر، فإنَّ جرَّ الثَّوب يستلزم الإسبال، والإسبال يستلزم البَطَر والكِبْر والمَخيلة، -نسأل الله العافية والسَّلامة-،



وقد جاء ذلك في الأحاديث عن رسول اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما سمعتم، وجاء عن عبد الله بن عمر- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مرفوعًا أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قالَ: ((إيَّاكَ! وَجَرَّ الْإِزَارِ فَإِنَّ جَرَّ الْإِزَارِ مِنْ الْمَخِيلَةِ )).جرُّ الإزار إسبال، والإسبال مخيلة فيه كِبْر، وخرَّجَ الطَّبرانيُّ من حديث أبي أمامة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ" بَيْنَا هُوَ يَمْشِي قَدْ أَسْبَلَ إِزَارَهُ إِذْ لَحِقَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ أَخَذَ بِنَاصِيَةِ نَفْسِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ! عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابْنُ أَمَتِكَ، قَالَ عَمْرٌو: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي رَجُلٌ حَمْشُ السَّاقَيْنِ، فَقَالَ: ((يَا عَمْرُو! إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، يَا عَمْرُو!))، وَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَرْبَعِ أَصَابِعَ مِنْ كَفِّهِ الْيُمْنَى تَحْتَ رُكْبَةِ عَمْرٍو، فَقَالَ: ((يَا عَمْرُو! هَذَا مَوْضِعُ الْإِزَارِ)) ثُمَّ رَفَعَهَا ثُمَّ وَضَعَهَا تَحْتَ الثَّانِيَةِ، فَقَالَ: ((يَا عَمْرُو! هَذَا مَوْضِعُ الْإِزَارِ ))". -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ-، فإذا ضرب بأربع أصابع تحت الركبة ثمَّ نزل بأربع تحتها وصل إلى نصف السَّاق. ومن هنا يقول النَّاظم:



وأشرف ملبوس إلى نصف ساقه *** وما تحت كعب فاكرهنه وصعِّدِ



يعني: حرامٌ، صعّد: كل ما زاد تشميرًا كل ما كان أحسن،



فإذا كنتَ أنتَ أيُّها العبد المسلم! ترى أنَّ الأجمل لك إلى الكعبين؛ فلا تُزهّد خلق الله في السُّنَّة، ولا تُجرئهم على المحرَّم، وإذا كانت نفسك لا تطيق نصف السَّاق فإنَّ الله قد أباح لك على لسان رسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى الكعبين؛ فإيَّاكَ! والتَّزهيد في سنَّة رسول الله –صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أقل الأحوال أنْ تسكت، وخُذ بالجواز، أمَّا أن تُشنع على من فعل ما فعله رسول الله فهذا والله يُخاف على صاحبه أنْ يكون ممَّن وقع في قلبه زيغٌ، ولا يتّبع هذا، ولا يقول به، إلاَّ من لوى عُنقه وأسلمه لسُّنَّةِ رسول اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –، وتواضع لها، فإنَّ هذا هو الفائز حقًّا، وهذا هو المتَّبع حقًّا، وهو الَّذي يدعو النَّاس إلى النَّجاة،



فقد خرَّج التِّرمذيُّ في "الشَّمائل" والنَّسائي، من حديث عُبيْد بن خالدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، قالَ: "كنتُ أمشي وعليَّ بُردٌ، – البُرد: الإزار - البرود كانت تأتِ للمدينة من اليمن، لأنَّ الأوس والخزرج أصولهم من هناك، والعرب لها رحلتان اتّصال باليمن، واتّصال بالشَّام، وكان غالب لباسهم الحُلل، و«الحُلَّة»: هي الإزار والرِّداء، وكانوا يلبسون البرود، و«البرود»: هي ثيابٌ مخطَّطة معلَّمة ملوَّنة مصبوغة، يتَّزرون بها –، يقول: (( كُنْتُ أَمْشِي وَعَلَيَّ بُرْدٌ أَجُرُّهُ، فَقَالَ لِي رَجُلٌ: ارْفَعْ ثَوْبَكَ فَإِنَّهُ أَنْقَى وَأَبْقَى، فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقُلْتُ: إِنَّمَا هِيَ بُرْدَةٌ مَلْحَاءُ، - يعني: قد أصهب لونها لا يضرُّها إنْ جررتها في الأرض، فَقَالَ: أَمَا لَكَ فِيَّ أُسْوَةٌ؟ قَالَ: فَنَظَرْتُ فَإِذَا إِزَارُهُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ ))، بعدَ هذا يأتِ من يأتِ ويعيّر الشَّباب المتمسِّك بسنَّة رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -،  أو الشّيوخ المتمسِّكين بسُّنَّة رسول اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ويهزأ بهم! هذا يُخشى عليه الزَّيغ؛ -نعوذُ باللهِ مِن ذلكَ-، ولا يُستغرب من أهل الفسق أنْ يقولوا لهم هذا، فقديمًا كانوا يقولون: هذا المشايخ لابسين شانيل؛ ولكن -الحمد لله - اليوم أرداهم الله هم في ما كانوا يعيّرون به أهل العلم، والفضل، والصَّلاح، والزُّهد، والورع، والخوف من الله، والاستقامة، فأصبحوا يلبسون هم اللِّباس الَّذي ترونه، يلبسون اللَّباس الَّذي ترونه فوق الركبة، مقتدين بجورج؛ وأنطوان، وتومي، وهكذا، قدوتهم الإفرنج؛ اليهود والنَّصارى، أمَّا أهل الدِّين والاستقامة فقدوتهم من قالَ لهم الله فيه: ﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّـهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ  [الأحزاب: ٢١]. والقائل هُنا لعبيد بن خالد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ –: (( أَمَا لَكَ فِيَّ أُسْوَةٌ ؟ ))، فهؤلاء أسوتهم رسول الله، وهؤلاء أسوتهم جورج، وأنطوان، وطوني، وتوني، وأمثال هؤلاء، وبول، وبيل، وكل هذه الأبوال؛ -نعوذ بالله من ذلك-، فمن عيَّر أخاهُ بثوبٍ لم يمت حتَّى يلبسه، ولكن الفرق بين اللّبستين: أنَّ الأعمال بالنِّيات، أنت نيَّتك الاقتداء برسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهو نيته التشبه بالكفار، وشتَّان بين الحالين، أنتَ مأجورٌ وهو مأزورٌ، أنتَ مأجورٌ لاقتدائك، وهو مأزورٌ لتشبُّهه، ((مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ )).



المصدر: جزء من الدرس الرابع عشر من شرح الابانة الصغرى لابن بطة.


© موقع ميراث الأنبياء 2016 جميع الحقوق محفوظة