من السنة هجران أهل البدع وعدم مشاورتهم ومقاربتهم
جديد الموقع

من السنة هجران أهل البدع وعدم مشاورتهم ومقاربتهم

Facebook Twitter Google+ LinkedIn

قال الإمام ابن بطه العُكبري-رحمه الله-: " وَلَا تُشَاوِرْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ اَلْبِدَعِ فِي دِينِكَ, وَلَا تُرَافِقْهُ فِي سَفَرِكَ وَإِنْ أَمْكَنَكَ أَنْ لَا تُقَارِبَهُ فِي جِوَارِكَ. وَمِنْ اَلسُّنَّةِ مُجَانَبَةُ كُلِّ مَنْ اعْتَقَدَ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ وَهُجْرَانُهُ وَالْمَقْتُ لَهُ, وهُجْرَانُ مَنْ وَالَاهُ وَنَصْرَهُ وَذَبَّ عَنْهُ وَصَاحَبَهُ وَإنْ كَانَ اَلْفَاعِلُ لِذَلِكَ يُظْهِرُ اَلسُّنَّةَ"



هذا الجزء من الكلام مهم جدًا ووالله ما كتب ليبقى في الكتب؛ وإنما كتب ليطبق ولكن الناس في هذا العصر أصبحوا كما يقول بعض مشايخنا يعيشون بالعقل المعيشي، ما هو بالعقل الشرعي؛ معيشته تمشي على هذا خلاص يمشي ولو في ذلك تضييع دينه - ولا حول ولا قوة إلا بالله - فهجرانه للبدع أصل من أصول اعتقاد أهل السنة ويا أسفاه ! ضُيع في هذا الزمان إلا عند من قل - نسأل الله الثبات على الحق والهدى حتى نلقاه -.



 يقول المصنف -رحمه الله-: "وَلَا تُشَاوَرْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ اَلْبِدَعِ فِي دِينِكَ"



 لماذا؟! لأنه غير مأمون؛ كما قال السلف: "صاحب البدعة لا تأمنه على دينك ولا تشاوره في أمرك"كما نقل عن الفضيل بن عياض: " صاحب البدعة لا تأمنه على دينك"  فأنت هنا حينما تشاور أحدًا من أهل البدع في دينك تكون قد أمنته ولَّا لأ؟! إذا شاورت المبتدع معناه مؤتمن عندك ولَّا لأ؟! لأن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم - يقول: (( الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ )) فأنت إذا شاورت مبتدعًا فكأنك قد زكيته في أمانته؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم- يقول: (( الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ )) فإذا شاورت أحدًا من أهل البدع في دينك فهو عندك مؤتمن، والسلف - رحمهم الله - يقولون: " صاحب البدعة لا تأمنه على دينك" وأنت هنا إذا شاورته فقد أمنته على دينك وسواء كان هذا مع الأفراد أو مع الجماعات لا يجوز لك أن تشاور المبتدع في دينك لأنه غير مأمون على دينك فكيف تشاور غير الأمين؟!



 كتب المتوكل - رحمه الله- الخليفة العباسي إلى الإمام أحمد كتابًا وأرسل به رسله إليه كما ذكر ذلك محمد بن أحمد بن منصور المرودي - رحمهم الله جميعًا - قال : جاء رسول الخليفة إلى الإمام أحمد واستأذنوا فإذا هم أربعة فدخلوا على الإمام بكتاب الخليفة؛ ومن ضمن هذا مما جاء به الرسول إلى أحمد سؤال الخليفة للإمام أحمد عن ولاية الجهمي هل يستعين بالجهمية في أمور المسلمين؟!



فقال الإمام أحمد: " لا يُستعان بالجهمية في أمور المسلمين"



 فسأله: أيستعان باليهودي والنصراني على أمور المسلمين؟



قال الإمام أحمد: "نعم، يُستعان باليهودي والنصراني على أمور المسلمين؛ إذا لم يكن في ذلك تسلط على المسلمين".



يعني في عمل يتسلطون به على المسلمين، مثل أن يُقال في لغتنا في هذا العصر الأعمال التي لها علاقة بالجمهور، بالناس وبمراجعات الناس لا ما يُوَلّون، لكن إذا كان عنده في أمرٍ خاص ما يحتك ويتسلط على المسلمين ويذلهم فلا بأس.



قال أحمد: " قد استعان السلف بهم "  فسأله المرّودي: يُستعان باليهودي والنصراني وهم كُفار ولا يُستعان بالجهمية؟!"



فقال له الإمام أحمد-رحمه الله-: "يا بُني هؤلاء يغترُّ بهم المسلمون" يغتر الناس بهم فيرونهم بعد ذلك لا بأس بهم يرونهم خير ، قال: "هؤلاء يغتر بهم  الناس"، الجمهية إذا استعان بهم اغتر بهم الناس؛ أمَّا اليهودي والنصراني كل واحد يعرف أنه يهودي ونصراني فلا يغترّ به، انظر إلى الفقه!.



وهذا معنى قول السلف ووالله إنا لنفخر به ونؤذن به على رؤوس المنائر، إن أهل الأهواء والبدع أخطر على المسلمين من اليهود والنصارى، نحن نفخر بهذا الكلام لا نستحي منه؛ لأن الناس لا ينخدعون باليهودي والنصراني،المسلمين يقولك هذا يهودي كافر، هذا نصراني كافر ما ينخدع به، لكن لو جئت بالمبتدع وجعلته هنا قال لو فيه شيء ما حطه السلطان هنا، فيُخدعون به واليوم يُرجفون علينا بهذه العبارة عبارة السلف أهل البدع أخوف علينا أو أضر على الإسلام أو أخطر على الإسلام أو أخطر على المسلمين من اليهود والنصارى،حتى صار هذا الأمر مخيفًا مرهبًا لكثير من السلفيين وصار يدسُّ رأسه خوفًا أو حياءً، لا ارفع بذلك رأسك أيها السني واشرحه؛ وقل له إن اليهودي والنصراني لا ينخدع أحدٌ به، لما له في القلوب من الكره والبغض ولأنه معروفٌ مكشوفٌ للعموم، أمَّا المبتدع فينخدع به الناس ويقولون لو حذّرتهم منه فيما بعد لو كان به بأس ما وضعوه في هذا الموضع أنتَ أعلم به من الدولة؟! فحينئذٍ يكونُ شرًّا على المسلمين.



فصدق أحمد - رضي الله عنه - يقول: "هؤلاء ينخدع بهم الناس" الجهمية ؛ أما اليهود والنصارى ما أحد ينخدع بهم، فلا يغترّون بهم ولا يميلون إليهم بخلاف المبتدع فإنهم يغترون به وينخدعون به.



 يقول - رحمه الله تعالى -: "وَلَا تُرَافِقْهُ فِي سَفَرِكَ " أي: لا ترافق المبتدع في سفرك، لأنه غير مؤتمن ولأنك في السفر تتبسط؛ والمرءُ إذا تبسط تسَمّح فربما ظهر منه شيءٌ من المزاحِ مما هو خارج عن حد الاعتدال، أو وقعت له هنا أو غلط أو نحو ذلك، فانبساط المرء في سفره عورةٌ من عوراته كما كان يقول السلف، فلا يُبدِها إلا عند من يحب، وهذا غير محبوب ولا مأمون يأخذها عليك، انبساط المرء في سفره عورةٌ من عوراته، فلا يُبدها إلا عند من يُحب؛ فأنت ما ترافق في سفرك هذا المبتدع لأنه غير مأمونٌ فينقل مثل هذه العورات، أما أخوكَ المؤتمن فيسترُ وينصح؛ في المباح يستر، وفي الخطأ ينصح، فأنت لا ترافق هذا في سفرك فسَفُره معكَ شؤمٌ -والعياذ بالله -



"وَإِنْ أَمْكَنَكَ أَنْ لَا تُقَارِبَهُ فِي جِوَارِكَ " فافعل كذلك فقد كان السلف- رحمهم الله - وجاءت هذه العبارة عنهم متضافرة، كانوا يقولون:- " لئن تجاورني القردة والخنازير خير من أن يجاورني المبتدع" لأن هذه حيوانات لا تكليف عليها أما المبتدع فشؤمه يتعدى إلى جيرانه.



 فإذا سكنَ مثلًا سُنيٌّ بين الروافض، من أول ما يجني أن إخوانه لا يأتون إلى هذا الحيّ الذي هو فيه كراهةً للرافضة؛ فإذا سكن بينهم فليحتمل القطيعة فهذا من شؤم مجاورته إياهم.



 وكان السلف يقولون:" لئن يجاورني صاحب مزمارٍ أو طُنبور خيرٌ من أن يجاورني مبتدع" وذلك لأن صاحب المزمار أكسِر مزماره وطنبوره وأنهاه فينتهي، المبتدع لأ. ما ينتهِ؛ فمثل هذا لا ينبغي أن يُجاوَرْ؛ فلذلك الجارُ قبل الدّار.



يلومنني أن بِعت بالرخص منزلي      ***     وما علموا جارًا هناك يُنغصُّ



فقُلتُ لهم كُفُّوا المـلامةَ إنهـا      ***    بجيرانها تغلو الديارُ وترْخُـصُ



ولمّا أظهر من أظهر سبَّ الصحابة في بغداد خرجَ أهل السنة منها وسكنوا في نواحيها، وهذا مذكورٌ في تاريخِ بغداد، فرضيَ الله عن الأسلاف الذين طبقوا هذا تطبيقًا عمليًا.



 فأنا أقول لكم هذا الكلام لم يُكتب والله ليبقى في الكُتب؛ وإنما كُتب ليُشاع ويُذاع ويُدرّس في مثل هذه المجالس ويُنشر بين الناس حتى يعملوا به، رَضِيَ من رَضي وسَخِط من سخِط، لا يَضرك ذلك أيها السُّني.



"وَمِنْ اَلسُّنَّةِ-أيضًا- مُجَانَبَةُ كُلَّ مَنْ اعْتَقَدَ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ "



مما تقدّم في هذا الكتاب؛ فالهاء الضمير في قوله "مما ذكرناه" عائدٌ على ما تقدّم؛ لأنه اعتقاد أهل السنة والجماعة، فمن خالف شيئًا مما ذُكِر فمن السُّنةِ أن يُهجر، ويُمقت يُذم وما هو فقط يُهجر هو لا، يُهجر أيضًا من والاه وعاونه ونصره وذبّ عنه ودافع عنه وصاحبه، فإنه يُهجرْ. " وَإنْ كَانَ اَلْفَاعِلُ لِذَلِكَ يُظْهِرُ اَلسُّنَّةَ".



 فقل لهؤلاء اليوم ماذا يقولون في مثل هذا الكلام؟!



يزعم أنه على السنة وهو يُدافع عمن يخالف في شيءٍ مما ذُكِر، وما ذُكِر هو أصول اعتقاد أهل السُّنة - قد مضى- يُدافع عنهم يُبرّر لهم، سب الصحابة؛ لا هذا إذا كان الذي قاله أصله سني فما هو، ما هو مبتدع ما هو رافضي، وأحمد - رحمه الله - يقول: "من طعن في صحابي واحد أو عرّضَ بطعنه أو عيبه فهو مبتدع رافضيٌّ خبيث".



لا اليوم يقولك لا إذا هو سُنّي ما هو مبتدع ؛طيب! الخوارج خرجت من السُّنة في أصل واحد؛ والروافض خرجوا من السنة بأصل واحد، والقدرية خرجوا من السنة بأصل واحد؛ ما كان ليجتمع في كل فرقة جميع المخالفات حتى تخرج من السنة. بأصل واحد؛ لأن اعتقاد أهل السنة كل؛ فإذا خالف مخالفٌ في جزءٍ منه فكأنما خالف الكل؛ خلاص يُهجر ويُنسب إلى بدعته.  فتقول: رافضي؛ خالف في الإرجاء. تقول مرجئ؛ وإن كان في بقية الأبواب على السنة، فهل المرجئة إلا في مسألة الإيمان؟! وهل الخوارج إلا في مسألة السمع والطاعة وتكفير صاحب الكبيرة؟! وهل القدرية إلا في القدر؟! ونحو ذلك؛ فإذا خالف في شيءٍ من هذا الاعتقاد وجبت مجانبته هو أولًا؛ ثم هجرانه، فلا يُسلم عليه، ولا يُكلم، ولا يُجلس معه، ولا يُشاور، ولا يُسافر معه، حتى يتوب وحتى يرتدع غيره، ويمقت ويذم على بدعته إذا لم يمقت ويذم، كيف يعرف الناس أنه على باطل؛ إذا لم يُقدح في هؤلاء كيف يتبين للناس؟!



والقدح ليس بغيبة في ستةٍ؛ ومن هؤلاء الستة: "ومجاهرٍ فسقا"؛ فهذا من الفسق العظيم في الدين - نعوذ بالله من ذلك- فالمبتدعة في هذا الباب فُساق؛ لأن الفسق هو الخروج عن الاستقامة - نسأل الله العافية والسلامة- فلا يُمكن أن يُحذَّر الناس منه إلا بمقته وذمه، واشهار ذلك فليس له غيبة؛ ليس لمبتدعٍ غيبة؛ في مقام التحذير والتبين للناس، وكذا من والاه؛ إذا والاه وهو يعلم فإنه يُلحق به؛ أنت إذا رأيته من أول وهلة وهو سني فيجب إحسان الظن، تنصح له كما قال الإمام أحمد فيما رواه أبو داوود وغيره عنه  - رحمه الله - : " يا أبا عبد الله أرى الرجل مع الرجل من أهل البدع؛ أفأهجره لا أكلمه؟ قال -رحمه الله-: أو تحذره منه"، أو: يعني بل هنا؛ بل حذره منه. 



مثل قول القائل في أولاده: "كانوا ثمانين أو زادوا ثمانية، لم أحصِ عدتهم إلا بعدادِ" يعني: بل زادوا ثمانية؛ وإلا فهو يعرف أن أولاده ثمانية وثمانين، فأو هنا بمعنى بل؛ قال حذره منه؛ " ثم إن رأيت بعد ذلك يُماشيه فألحقه به"



فإذًا هجران من والى المبتدعة أمر متقرر عند السلف - رحمهم الله -  ؛ فإذا والاهم وزاد على ذلك بنصرتهم والذب عنهم، ومصاحبتهم، هجران من ولاه- والى المبتدع- ونصره، وذب عنه وصاحبه.



 اليوم جاءونا بمنهج جديد؛ يقول: سُني وعنده أخطاء؛ سلفي وعنده أخطاء؛ ما هي أخطاؤه؟! على مذهب الخوارج! ننظر إلى أخطائه وإذا به خارجي؛ ننظر إلى أخطائه وإذا به رافضي يسب الصحابة، ننظر إلى أخطائه وإذا به جهمي؛ ما شاء الله ! سني وعنده أخطاء.



وانتقلوا من مبتدعٍ إلى مُبدع؛ ما شاء الله! كل ذلك ضحك على عقول الناس، وخاصة الشباب السلفي؛ أبدًا هذا الكلام كلامٌ باطل واضح العوار؛ فإن من والى المبتدع ونصره وذب عنهم فهذا مثله مبتدع لا شك ولا ريب، وإذا صاحبه فكما تقدم في مجالسة أهل الأهواء:-



عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه *** فإن القرين بالمقارن مقتدى



ولا تصحب أخ  *** الجهل وإيــاك وإياه



فكم من جاهل *** أردى حليمًا حين أخاه



يُقاس المرء بالمرء  *** إذا مـا هو ماشــاه



الشاهد: إذا رأيت الرجل مع المبتدع وحذرته فأبى فألحقه به؛ لم؟! لأن ((الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ)) و ((الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ))



إن القلوب لأجناد مجندة   ***  قول الرسول كلام ليس يختلف



فما تعارف منها فهو مؤتلف ***  وما تناكر منها فهو مختلف



فإذا رأيته معه فاعرف أنه يحبه؛ لأنه قد تقدم معنا: ((أَوْثَقُ عُرَى الْإِيمَانِ الْحُبُّ  فِي  اللَّهِ، وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ )) فلا يمكن أن يُحب صاحب السنة صاحب البدعة ، وذلك لأن الحب ميل قلبي فما يمكن أن يتأتَّى إلا إذا تقاربت القلوب؛ قال الأصمعي-رحمه الله- :" إذا تقاربت القلوب في النسبة تلاقت الأبدان في الصحبة".



يعني: إذا كانت النسبة في هذا القلب مثل النسبة في هذا القلب تقاربت الأجساد؛ فالمرء على دين خليله؛ فما يمكن أن يواليه إلا وهو على طريقه، ولا ينصره إلا وهو على طريقه، ولا يُذب عنه إلا وهو على طريقه، ولا يُصاحبه إلا وهو على طريقه، وإن كان يظهر أمامك بأنه صاحب سنة؛ فصاحب السنة لا يجتمع مع صاحب البدعة أبدًا والله الذي لا إله غيره؛ وإن زعم لك أنه على السنة؛ فنقول الأعمال تُصدق أو تُكذب؛ فعملك يُكذب قولك - نسأل الله العافية والسلامة-.



 ونسأل الله -جلًّ وعلا- أن يُمتعنا متاعًا حسنًا على طاعته



وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.  



المصدر



شرح الإبانة الصغرى



 الدرس الثالث



للشيخ محمد بن هادي المدخلي 



حفظه الله 



 



 



 


© موقع ميراث الأنبياء 2016 جميع الحقوق محفوظة