قدر العلم الشرعي ورفعة أهله
جديد الموقع

قدر العلم الشرعي ورفعة أهله

Facebook Twitter Google+ LinkedIn
المشاهدات : 746

 الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:



أمَّا بعد :



فإنَّه لا يسلِّي المسلم ويخفف مصابه إزاءَ ما يجده من الغربة بين الناس أعني: (غربة الدين)، إلَّا حينما يعتصم بالكتاب والسنَّة ويسلك مسلك السلف الصالح من الصحابة ومن تبعهم بإحسان من أهل العلم والفضل والإمامة في الدين.



وما أحسن ما قاله الفضيل بن عياض-رحمه الله-: (عليك بطرق الهدى ولا يضرك قلَّة السالكين، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين).



هذه الوصية الجميلة، والنصيحة الثمينة العظيمة وافقها الشيخ محمد بن عبد الوهاب-رحمه الله-في (كتاب التوحيد، باب: من حقق التوحيد دخل الجنَّة بلا حساب)، وبالتحديد في مسائله على حديث ابن عبَّاس عن النبي-صلى الله عليه وسلَّم-: (عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجلُ والرجلان، وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ…).



قال الشيخ-رحمه الله-: (…عمق هذا العلم فإنه لا يجوز الزهد في القلة ولا الاغترار في الكثرة…).



وأبلغ من هذا وذاك وأعلى وأجل قول ربنا-جل في علاه-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ…)(المائدة/105)، فإذا استمسك المرء بالإسلام وعمل بما علمه من كتاب ربه وسنَّة نبيِّه-صلى الله عليه وسلَّم-فإَّنه لا تضره مخالفة المخالفين، ولا صدُّ الصَّادين.



ويزيد هذا وضوحًا حين يفقه قول الحق-جلَّ وعلا-: (لا يكلف الله نفسًا إلَّا وسعها)(البقرة/286)، وقوله-جل في علاه-: (فاتقوا الله ما استطعتم…)(التغابن/ 16)



وقول رسول الله-صلى الله عليه وسلَّم-: (…وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ…)، فإنَّه يستخلص: أن الله-سبحانه وتعالى-من رحمته بعباده لم يكلفهم الغلو حتى يدخل الهدى فيها ويحميها من الضلالات، وإنَّمَا كلَّفه ربه-جل وعلا-بالبيان وهو ما يعبَّر عنه بهداية الدلالة والإرشاد، وهذا أيضًا ليس مطلقًا بل هو مقيد بالاستطاعة، كما عرفتم وأدركتم من الآيتين السابقتين والحديث: (…وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ…).



فيقوى يقينه وتشتد عزيمته ويعظم أمله بالله-عز وجل-أن الخير بيده يصيب به من يشاء ويصرفه عمَّن يشاء، فيهدي من يشاء بتوفيقه وفضله ورحمته، ويضلُّ من يشاء بعدله وهذه الحكمة-سبحانه وتعالى-.



وهاهنا عدَّة أمور:



الأمر الأول: ما الطريق الذي إذا سلكناه قويت نفوسنا، واشتدت عزائمنا، وارتفعت هِمَمُنا، وطمعنا في هداية المخالف؟، هذا هو العلم-علم الشرع-، حدُّه هو فقه الكتاب الكريم، وفقه سنَّة النبي-صلى الله عليه وسلَّم-، وعلى فهم السلف الصالح وهم كل من مضى بعد رسول الله-صلى الله عليه وسلم-على أثره وأساسهم الصحابة-رضي الله عنهم-.



قال أئمتنا: (…لا يخالف ما عليه الصحابة إلَّا صاحب ضلالة…)، لأن ما أجمع عليه الصحابة حجَّة يجب التسليم له.



والعلم بَنِيَّ وبناتي وقد عرفتم أنَّه علم الشرع لا تحصل للعبد الخيرية التامَّة العامَّة التي تنتظم سلامة العبد في دنياه وآخرته إلَّا به، قال-صلى الله عليه وسلَّم-: (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ…)، والمعنى: يرزقه فيه الفهم والبصيرة حتى يعلم أنَّ ما يأتيه ويأمر به مرضي لله-عز وجل-، وأنَّ ما ينهى عنه غير مرضي لله-عز وجل-، تعرف الحلال والحرام والحق والباطل والحدى والضلال والسنَّة والبدعة فيبين للناس ما أمره الله به من بيان حتى يقيم الحجة على المخالف المعاند.



وهذا العلم مِمَّا يقوي الهمَّة في تحصيله والجد في ذلك والطمع في الاستكثار منه أنَّه ميراث محمد-صلى الله عليه وسلم-وهذا ميراث لا أعظم منه ولا أشرف منه، قال-صلى الله عليه وسلم-: (…وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا، وَلَا دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ).



وأجلُّ من هذا شرفًا ورفعة وثناءً أن علماء الشرع شهود على وحدانية الله-سبحانه وتعالى-وذلكم بَنِيَّ وبناتي زبدة الرسالات وعليه اتفقت جميع الرسالات بدءًا من نوح إلى محمدٍ خاتمهم-صلى الله وسلم عليهم أجمعين-.



قال-تعالى-: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ)(الأنبياء/25)، هذا الذي هو أصل الأصول استشهد الله عليه ثلاثة، واسمعوا: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(آل عمران/ 18).



فالشاهد الأول: هو الحق-جل في علاه-فإنَّه أعلم بنفسه وبخلقه من غيره.



الثاني: الملائكة أولئكم العباد المكرمون الذين لا يسبقون ربهم بالقول وهم بأمره يعملون-عليهم الصلاة والسلام-.



والثالث: علماء الشرع وأولوا العلم، قال الأئمة: (…هذا تعديل ما فوقه تعديل وتزكية ما فوقها تزكية…).



أقول: لأنه تعديل ربنا لهم وتزكيته لهم، فَلْيُجِد المسلمون والمسلمات في تحصيل هذا العلم وقد عرفتم رفيع مقامه وجلالة قدره وقدر أهله، أهله هم ثالث الشهود على وحدانية الله، وهم المضمون لهم الخيرية التامَّة العامَّة، وهم ورثة محمد-صلى الله عليه وسلَّم-.



بَنِيَّ وبناتي المسئولية عظيمة، فما الواجب على من نال قدرًا من هذا العلم العظيم الشريف الرفيع؟.



الواجب عليه:



أولًا: بذل هذا العلم حسب استطاعته، فإن بذل العلم يفيد منه صاحبه:



أولًا: تنمية الحصيلة العلمية لديه، فكلَّما درَّس صاحب العلم رجلًا كان أو امرأة كتابًا فإنَّه بتكريره دراسته يَجِدُّ عنده من الفوائد ما لم يحصل عليه من قرأه مرة واحدة.



ثانيًا: يجمع الله عليه-سبحانه وتعالى-من كانوا في شتات من أهل قطره وعلم الله فيهم الرغبة في الخير، فبقدر ما يعلِّم ويفقِّه في دين الله ينال مثل أجورهم، قال-صلى الله عليه وسلَّم-: (مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا) إلى يوم القيامة.



الأمر الثالث: الحيلولة-الحجز-بين من رزقهم الله فقهًا في دين الله وحسن التدين لله-عز وجل-إخلاصًا له واتباعًا لرسوله-صلى الله عليه وسلَّم-وبين أهل الهوى، فكلَّمَا تكاثر أهل العلم في قطر كان أهله في الحفظ وفي حرز حينما ينشر هؤلاء الحق عقيدةً ومنهجًا وسلوكًا عبادةً ومعاملة.



وهذا ما أخبر به النبي-صلى الله عليه وسلَّم-: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا) .



الفائدة الثالثة: إقامة الحجة على المخالف الذي ركب الهوى عامدًا معاندًا مستنكفًا عن الحق.



ونحن-أعني-الذي ورثناه عن أهل السنَّة محبة الخير للناس وإظهار ذلك لهم، لكن من ركب رأسه وأبى إلَّا الاستنكاف عن الحق فما حيلتنا به.



ومن الأمور التي تجب على من نصب نفسه داعية إلى الله-عز وجل-على بصيرة بالإضافة إلى ما تقدَّم الصبر، فإن الدعوة إلى الله هي وظيفة النبيين والمرسلين-عليهم الصلاة والسلام-، ورثها عنهم من ورثها من أصحابهم وأتباعهم، فمن سلك هذا السبيل فلا بد أن يناله مِمَّا نال سادة المصلحين النبيين-عليهم الصلاة والسلام-وأتباعهم بإحسان.



ونبينا محمد-صلى الله عليه وسلم-جلس في مكة ثلاث عشرة سنة يصيبه ما يصيبه من أذى قومه خنق وأوذي والصحابة منهم يسحب في الرمضاء وتوضع الحجارة على صدره ويقولون: يا رسول الله ألا ترى؟، فيعدهم-صلى الله عليه وسلم-وهو الصادق المصدوق: (كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ).



السياسة الحسنة من لين الخطاب، والرفق في تعليم الجاهل، والحكمة في مخاطبة الناس بما يدركونه وما تدركه عقولهم العوام والخواص، والقدوة الحسنة من نفسه يكون هو قدوة حسنة بالمسارعة في فعل المأمورات وترك المنهيات، ربط الناس بالعلماء الموجودين الفضلاء الذي عرف فضلهم الخاصة والعامَّة من القدامى والمعاصرين.



فهذه وسائل وهذه طرق وهذه سبل لا يستغني عنها من يدعو إلى الله-سبحانه وتعالى-ويطلب الدعوة إلى الله على بصيرة.



المصدر: جزء محاضرة عبر الهاتف ألقاها الشيخ حفظه الله  ]


© موقع ميراث الأنبياء 2016 جميع الحقوق محفوظة