جديد الموقع

ما هو العلاج فيمن وجد من نفسه حب التصدر؟

التصنيف: 
الدعوة
طلب العلم
السؤال: 

هذا يسأل ما هو العلاج فيمن وجد من نفسه حب التصدر؟

الجواب: 

من ابتلي بمثل هذا الداء العظيم والوبيل -نسأل الله السلامة والعافية-، يحتاج منه إلى مجاهدة عظيمة، من أوائل ما يستعين به المرء لعلاج هذا الداء الخسيس والدسيسة الخبيثة؛ الضراعة إلى الله، والالتجاء إليه، والانطراح بين يديه، وسؤال الله تعالى أن يعافيه من هذا البلاء، ومن هذه الأدواء، ويكثر الإلحاح على الله بذلك، ويتحين أوقات الإجابة، {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} فهو جل وعلا قريب من عباده، يجيب دعوة الداعين، فألظ بالدعاء، وأكثر منه، أقول هذا الداء يرفعه الله جل وعلا إذا ما أكثرت من دعاءه واللجوء إليه جل وعز.
الأمر الثاني: التفكر والتدبر، على ماذا تفخر؟ تفكر في نفسك على ماذا تفخر؟ وتبحث عن الزعامة! على ماذا! على دنيا تصيبها! فهذه الدنيا التي تسارع إليها لا تمد يدك إليها إلا وتجد من أهل الدنيا من سبقك بأميال، وإذا جمعت منها دينارا، فقد جمع منها غيرك ألف دينار، ومن جمع منها ألف دينار، فقد جمع غيره مئات آلاف الدنانير، فلا تجد راغبا في الدنيا إلا وتجد غيره وآلاف سبقوه إليها وزاحموه عليها، فتفكر أن هذا التصدر وهذا الداء؛ إنما ينقص من قدرك وقيمتك، وقربك من الله، وقد يكون سببا في إحباط عملك، نسأل الله السلامة والعافية.
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله في الوابل: "رب طاعة أدخلت صاحبها النار، ورب معصية أدخلت صاحبها الجنة"، ثم بين ذلك رحمه الله أن رب طاعة أدخلت صاحبها النار، أن المرء يرى من نفسه أنه قد أتى بحق الله، وأنه قائم بطاعة الله، وأنه قد أطاعه، وأنه وأنه، يتفاخر، ويتكبر، ويستعلي، ويرى على الله منة، نعوذ بالله من ذلك، فلا يزال به الشيطان حتى يبعده عن القربات والطاعات، بل لعله عن الفرائض والواجبات، يتعاظم بما أتى به من طاعة فتكون سببا والعياذ بالله في نكوله وانتكاصه ويجر على وجهه في النار.

ورُبَّ معصيةٍ قام بها عبدٌ أو أتى بها عبدٌ فلا يزالُ يتوب من الله منها، ويراها نُصْبَ عينيه وكُلَّما تفكرها زاد من الله قُرباً، وإليه إنابةً، وإليه -جل وعلا- توبةً، ويُكثِرُ من الطاعات، ويُكثِرُ من الحسنات ويُسارِعُ في الخيرات فلا تزالُ بِهِ وقد تاب منها لكنه لازال يتذكرها فيزداد طاعةً بعد أخرى حتى تكون سبباً في دخوله جناتِ عدن، فلماذا هذا التصدر وحب الزعامة واللَهَثِ وراء أوساخِ الدنيا؟!

فهذا الأمر يحتاج إلى جهادٍ عظيم -بارك الله فيكم-.

كذلك من الأمور المهمة في هذا النظر في سيرِ وتراجم أئمة السُّنَّة وعلماء الحق، كيف كانوا متواضعين لله؟ كيف كانوا قائمين بأمر الله؟ كيف كانوا يبتعدون كل البعد ويهربون كل الهرب من الظهور وحب الزعامة والرئاسة وأن يُشارَ إلى أحدِهِم بالبنان يتقون ذلك ويحاربونه أشد الحرب، تأمل في تراجم العلماء واقرأ في سيرِهِم واعرف مقامكَ من هذا، وثِق تماماً لا يحرص على الزعامة إلا جاهل، لا يحرص على الزعامة والتصدر إلا واللهِ إنَّهُ جاهِلاً بالله، غارِقٌ في الجهلِ ولو ادعى أنَّهُ عالِمٌ ويعرِفُ العلم، فهذا ما قاده العلم للعمل المُنجي -نسأل الله السلامة والعافية-.

الشيخ: 
 عبد الله بن عبد الرحيم البخاري