جديد الموقع

أحكام أيام العشر من ذي الحجة

تاريخ النشر: 
السبت, كانون الثاني (يناير) 2, 2016

الخطبة الأولى: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

 

الحمد لله ذي الفضل العظيم، والإحسان الكثير، والبر الواسع العميم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا رب سواه، وفق من شاء من عباده لتحصيل المكاسب والأجور، وجعل شغلهم بتحقيق الإيمان والعمل الصالح، والاستكثار منه، يرجون تجارة لن تبور.

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ومصطفاه، الداعي إلى الفوز بدار السلام، والبالغ بشرفه أعلى مقام، فاللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله الذين شرفوا بالانتساب إليه، وأصحابه الذين نقلوا سنته، وجاهدوا بين يديه،، ومن سلك طريقهم إلي يوم الدين.

أما بعد، أيها الناس:

اتقوا الله تعالى حق تقواه، وتعرضوا لأسباب رحمته ومغفرته، وقوموا بكل سبب يوصلكم إلى رضوانه، وينيلكم مغفرته وأجره، ويقربكم من جنته، ويباعدكم عن ناره، فإن رحمة الله قريب من المحسنين.

وتذكروا أنكم داخلون عن قريب في أيام جليلة، أيام فاضلة، أيام معظمة، هي أعظم أيام السنة، إنها العشر الأول من شهر ذي الحجة، أحد الأشهر الأربعة الحُرم، التي زجر الله عباده عن ظلم أنفسهم فيهن بالذنوب والسيئات فقال ـ جل شأنه ـ: 

      (التوبة: 36)

 فإن السيئات من البدع والمعاصي تعظم وتشتد، وتكبر وتتغلظ في كل زمان أو مكان فاضل.

 

وقد ثبت عن التابعي الجليل قتادة بن دعامة ـ رحمه الله ـ أنه قال: (( إِنَّ الظُّلْمَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ أَعْظَمُ خَطِيئَةً وَوِزْراً مِنَ الظُّلْمِ فِيمَا سِوَاهُ، وَإِنْ كَانَ الظُّلْمُ عَلَى كُلِّ حَالٍ عَظِيماً، وَلكنَّ اللَّهُ يُعَظِّمُ مِنْ أَمْرِهِ مَا شَاءَ )).

وقد نوه الله ـ جل وعلا ـ في كتابه العزيز بشأن هذه الأيام وعظم فقال سبحانه: 

           (الحج: 28)

 

 

وعظم النبي صلى الله عليه وسلم أمرها وأكبره وأظهره، فأخرج الإمام البخاري والترمذي واللفظ له ،عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ )).

وفي لفظ عند الإمام الدارمي في "سننه" بسند صحيح: (( مَا مِنْ عَمَلٍ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ خَيْرٍ يَعْمَلُهُ فِي عَشْرِ الْأَضْحَى، قِيلَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ )).

وقد دل هذا الحديث العظيم على جملة طيبة من الفوائد، ودونكم بعضها:

أولاً: عظم شأن هذه الأيام، وأنها أجل أيام السنة وأعظمها وأفضلها، بل إن أهل العلم قد نصوا على أنها أفضل حتى من أيام العشر الأخيرة من شهر رمضان.

ثانياً: أن التقرب إلى الله تعالى فيها بالأعمال الصالحة أحب عنده من سائر أيام الدنيا.

ثالثاً: الحث والترغيب على الإكثار من الأعمال الصالحة فيها.

رابعاً: أن جميع الأعمال من حج وصلاة وصيام وصدقة وتلاوة للقرآن وذكر لله تعالى وغيرها مضاعفة فيها.

أيها الناس:

احرصوا غاية الحرص على أنفسكم، وعلى أهليكم، وعلى أولادكم في أن تكونوا من المكثرين في هذه الأيام من الأعمال الصالحة، وليعن ويذكر بعضكم بعضاً، ولا يثبطنكم الشيطان، فإنها أيام قليلة، كثيرة الأجور، سريعة الرحيل، من حرم خيرها فقد حرم خيراً كثيراً.

وقد ثبت عن القاسم بن أبي أيوب ـ رحمه الله ـ أنه قال: (( وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ إِذَا دَخَلَ أَيَّامُ الْعَشْرِ اجْتَهَدَ اجْتِهَادًا شَدِيدًا حَتَّى مَا يَكَادُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ )).                                                                        

أيها المسلمون:

أن من جملة العبادات الفاضلة التي يجدر بنا العناية بها في هذه الأيام الفاضلة، والاستزادة منها، والمسارعة إليها هذه العبادات:

أولاً: صيام الأيام التسعة الأول منها، فصيامها سنة عند عامة فقهاء أمصار المسلمين، وكان هذا الصيام مشهوراً في عصر السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.

ثانياً: الإكثار من تلاوة القرآن، ومن قوي على ختمه مرة فأكثر فقد أسدى إلى نفسه خيراً كثيراً.

ثالثاً: الإكثار من الصدقة، وإعانة المسلمين، وتفريج كربهم.

رابعاً: المحافظة على صلوات الفريضة في أوقاتها، ومع الجماعة، والحرص على النوافل كالسنن الرواتب وصلاة الضحى وسنة الوضوء وقيام الليل والوتر.

خامساً: الإكثار من ذكر الله ودعائه وتسبيحه وتحميده وتهليله واستغفاره من الذنوب في سائر الأوقات والأماكن، في البيت والسيارة والعمل، وحين الدخول والخروج والمشي.

سادساً: تكبير الله عز وجل فيها والإكثار منه: "الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد".

وقد جرى على هذا التكبير في أيام العشر عمل السلف الصالح من أهل القرون المفضلة وعلى رأسهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ في "صحيحه": (( وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر، يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما )).

وزاد غيره:  (( لا يخرجان إلا لذلك )).

وقال ميمون بن مهران ـ رحمه الله ـ: (( أدركت الناس وإنهم ليكبرون في العشر )).

وهذا التكبير مشروع في حق سائر الناس من الرجال والنساء والصغار والكبار، ومشروع في البيوت والأسواق والمساجد والمراكب، وفي السفر والحضر، ومشروع والإنسان جالس أو راكب أو مضطجع أو وهو يمشي، وفي سائر الأوقات.

إلا أنه لا يكبر بعد الصلاة مع الأذكار بعد السلام منها، وسواء صُليت في المسجد أو في البيت أو في العمل أو في  أي مكان.

بارك الله لي ولكم فيما سمعتم، وجعلنا من المنتفعين العاملين، وتاب علينا إنه هو التواب الرحيم.

الخطبة الثانية: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمد لله العلي العظيم، الجليل الكريم، البر الرحيم، والصلاة على عبده ورسوله الأمين محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين.

أما بعد، أيها الناس:

إن من أعظم شعائر الإسلام في أيام العشر ذبح الأضاحي، لأنها النسك العام الذي يظهر بين المسلمين في جميع الأمصار، والأحاديث في مشروعيتها مستفيضة مشتهرة، وثبتت بالقول والفعل منه صلى الله عليه وسلم، بل وسماها نسكاً.

وفي هذه الأيام ترى من الناس عجباً مع هذه الشعيرة، حيث يتركونها مع وجود اليسار والقدرة، ترى بعضهم يثقل عليه إخراج الدراهم في سبيل التقرب إلى الله تعالى بشرائها وذبحها أو يتردد، وقد يتعلل بارتفاع سعرها، وهو في نفس الوقت مستعد للسفر في العيد للنزهة والسرور، مع أنه قد يصرف في سفره ما يزيد على قيمة الأضحية، بل ولا تعوقه كلفة السفر وتجعله يتردد، وقد يشتري للعيد جوالاً جديداً من آخر ما نزل، ويكلم به بنقود كثيرة، ويعيد بملابس غالية، ثم لا يدخل عليه الحرج الذي دخل في سعر الأضحية، ولكن الأمر كما قال الله تعالى:  

                                (محمد: 38)

 

 

 

ومن ضحى وهو يخشى الفقر والحاجة، فليبشر بموعود الله تعالى له بالخلف الحسن الطيب المبارك، حيث قال سبحانه: 

            (سبأ: 39)

 

 

 

وقال الحافظ ابن عبد البر ـ رحمه الله ـ: ولم يأت عنه صلى الله عليه وسلم أنه ترك الأضحية، وندب إليها، فلا ينبغي لموسر تركها.اهـ

وقال أبو هريرة رضي الله عنه: (( مَنْ وَجَدَ سَعَةً فَلَمْ يُضَحِّ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا )).

أيها المسلمون:

إذا دخلت العشر الأول من شهر ذي الحجة فإن مريد الأضحية منهي عن الأخذ من شعره وأظفاره وجلده حتى يضحي، ويبدأ وقت هذا النهي من غروب شمس ليلة أول أيام شهر ذي الحجة، وينتهي بذبح الأضحية، وسواء ذبحها المضحي في يوم العيد أو اليوم الأول أو الثاني من أيام التشريق، وذلك لحديث أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(( إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئاً )) رواه مسلم.

وفي لفظ آخر: (( مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ فَإِذَا أُهِلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ، فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئاً حَتَّى يُضَحِّيَ )).

وقال النووي ـ رحمه الله ـ: والمراد بالنهي عن الحلق والقَلْمِ المنعُ من إزالة الظفر بقَلْمٍ أو كسر أو غيره، والمنع من إزالة الشعر بحلق أو  تقصير أو نتف أو إحراق أو أخذ بنورة أو غير ذلك، وسواء شعر العانة والإبط والشارب والرأس وغير ذلك من شعور بدنه.اهـ

فإن أخذ من شعره أو أظفاره أو جلده شيئاً فقد خالف سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأساء إلى نفسه.

وقال الإمام ابن قدامة ـ رحمه الله ـ فيمن خالف النهي وأخذ: فإن فعل استغفر الله تعالى، ولا فدية عليه إجماعاً، وسواء فعله عمداً أو نسياناً.اهـ

اللهم انفعنا بما علمتنا، وزدنا فقها وعملاً بدينك، اللهم ارزقنا توبة نصوحاً، وأجراً كبير، اللهم اغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا وسائر أهلينا، اللهم من كان منهم حياً فبارك له في عمره وعمله، وزده هدى، ومن كان منهم ميتاً فتجاوز عنه، واجعله في قبره منعماً، وعندك مرضياً، اللهم جنبنا الشرك والبدع والمعاصي، اللهم من أراد بلاد المسلمين بشر وكيد وضرر فصده واجعل كيده في تباب، واجعل سعيه عليه وعلى من أعانه، وأمكن منه واخذله، اللهم ارفع الضر عن المتضررين من المسلمين، اللهم ارفع عنهم القتل والخوف والجوع والأوبئة، اللهم أعذهم من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم وفق جميع ولاة    أمور المسلمين لكل خير، واجعل عملهم في رضاك، وسددهم في  أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم وجميع شؤونهم، إنك سميع مجيب.

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك الكريم محمد، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولك ولسائر المسلمين، إن ربي غفور رحيم.

الشيخ: 
عبد القادر بن محمد الجنيد