جديد الموقع

التحذير من البحث والتنقير عما لا يضر جهله

تاريخ النشر: 
الأحد, كانون الثاني (يناير) 17, 2016

قال ابن بطة رحمه الله:

" اعلموا إخواني أني فكرت في السبب الذي أخرج أقواما من السنة والجماعة، واضطرهم إلى البدعة والشناعة، وفتح باب البلية على أفئدتهم وحجب نور الحق عن بصيرتهم، فوجدت ذلك من وجهين:

أحدهما: البحث والتنقير، وكثرة السؤال عما لا يغني، ولا يضر العاقل جهله، ولا ينفع المؤمن فهمه.

والآخر: مجالسة من لا تؤمن فتنته، وتفسد القلوب صحبته، وسأذكر في هذين الوجهين ما يكون فيه بلاغ لمن قبل النصيحة، وكان بقلبه أدنى حياء إن شاء الله...

 

حدثنا أبو القاسم، قال: حدثنا أبو حاتم، قال: حدثنا الحسن بن محمد، وأبو حفص الصيرفي، وعبيد الله بن سعد الزهري، قالوا: حدثنا مكي بن إبراهيم، قال: حدثنا الجعد، عن يزيد بن خصيفة، عن السائب بن يزيد، قال: أتي عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقيل: يا أمير المؤمنين إنا لقينا رجلا سأل عن تأويل القرآن، فقال عمر: «اللهم مكني منه»، فبينا عمر ذات يوم جالس يغدي الناس إذ جاءه عليه ثياب، فتغدى حتى إذا فرغ قال: يا أمير المؤمنين، {والذاريات ذروا فالحاملات وقرا} [الذاريات: 2]، فقال عمر: «أنت هو»، فقام إليه، وحسر عن ذراعيه، فلم يزل يجلده، حتى سقطت عمامته، فقال: «والذي نفس عمر بيده، لو وجدتك محلوقا لضربت رأسك، ألبسوه ثيابه، واحملوه على قتب، ثم أخرجوه حتى تقدموا به بلادكم، ثم ليقم خطيبا، ثم ليقل إن صبيغا. . . . . . أخطأه، فلم يزل وضيعا في قومه، حتى هلك. وكان سيدهم». قال أبو حاتم: " ولم يقل أبو حفص في حديثه: ثم أخرجوه، حتى تقدموا به بلادكم ".

قال ابن بطة رحمه الله: " وعسى الضعيف القلب القليل العلم من الناس إذا سمع هذا الخبر، وما فيه من صنيع عمر رضي الله عنه، أن يتداخله من ذلك ما لا يعرف وجه المخرج عنه، فيكثر هذا من فعل الإمام الهادي العاقل رحمة الله عليه، فيقول: كان جزاء من سأل عن معاني آيات من كتاب الله عز وجل أحب أن يعلم تأويلها أن يوجع ضربا، وينفى، ويهجر، ويشهر وليس الأمر كما يظن من لا علم عنده، ولكن الوجه فيه غير ما ذهب إليه الذاهب، وذلك أن الناس كانوا يهاجرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حياته، ويفدون إلى خلفائه من بعد وفاته رحمة الله عليهم ليتفقهوا في دينهم، ويزدادوا بصيرة في إيمانهم، ويتعلموا علم الفرائض التي فرضها الله عليهم، فلما بلغ عمر رحمه الله قدوم هذا الرجل المدينة، وعرف أنه سأل عن متشابه القرآن، وعن غير ما يلزمه طلبه مما لا يضره جهله، ولا يعود عليه نفعه، وإنما كان الواجب عليه حين وفد على إمامه أن يشتغل بعلم الفرائض، والواجبات، والتفقه في الدين من الحلال، والحرام، فلما بلغ عمر رحمه الله أن مسائله غير هذا علم من قبل أن يلقاه أنه رجل بطال القلب خالي الهمة عما افترضه الله عليه مصروف العناية إلى ما لا ينفعه، فلم يأمن عليه أن يشتغل بمتشابه القرآن، والتنقير عما لا يهتدي عقله إلى فهمه، فيزيغ قلبه، فيهلك، فأراد عمر رحمه الله أن يكسره عن ذلك، ويذله، ويشغله عن المعاودة إلى مثل ذلك. فإن قلت: فإنه قال: لو وجدتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك، فمن حلق رأسه يجب عليه ضرب العنق، فإني أقول لك: من مثل هذا أتي الزائغون، وبمثل هذا بلي المنقرون الذين قصرت هممهم، وضاقت أعطانهم عن فهم أفعال الأئمة المهديين، والخلفاء الراشدين، فلم يحسوا بموضع العجز من أنفسهم، فنسبوا النقص والتقصير إلى سلفهم وذلك أن عمر رضي الله عنه، قد كان سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يخرج قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول الناس يقرءون القرآن، لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية من لقيهم، فليقتلهم، فإن في قتلهم أجرا عند الله».

 وفي حديث آخر: «طوبى لمن قتلهم، وطوبى لمن قتلوه» قيل: يا رسول الله ما علامتهم؟ قال: «سيماهم التحليق». فلما سمع عمر رضي الله عنه مسائله فيما لا يعنيه كشف رأسه، لينظر هل يرى العلامة التي قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم والصفة التي وصفها، فلما لم يجدها، أحسن أدبه، لئلا يتغالى به في المسائل إلى ما يضيق صدره عن فهمه، فيصير من أهل العلامة الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلهم، فحقن دمه، وحفظ دينه بأدبه رحمة الله عليه ورضوانه، ولقد نفع الله صبيغا بما كتب له عمر في نفيه، فلما خرجت الحرورية، قالوا لصبيغ: إنه قد خرج قوم يقولون كذا وكذا، فقال: هيهات، نفعني الله بموعظة الرجل الصالح، وكان عمر ضربه حتى سالت الدماء على وجهه أو رجليه أو على عقبيه، ولقد صار صبيغ لمن بعده مثلا، وتردعة لمن نقر، وألحف في السؤال...

إلى أن قال: " فالزموا رحمكم الله الطريق الأقصد، والسبيل الأرشد، والمنهاج الأعظم من معالم دينكم، وشرائع توحيدكم التي اجتمع عليها المختلفون، واعتدل عليها المعترفون{ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} [الأنعام: 153] وترك الدخول في الضيق الذي لم نخلق له ".

 

 

المصدر 

الإبانة الكبرى 

(1/ 390- 421)

الشيخ: 
ابن بطة رحمه الله