جديد الموقع

الغافلون والمتكاسلون عن الحج

تاريخ النشر: 
السبت, كانون الثاني (يناير) 2, 2016

الخطبة الأولى:ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

الحمد لله الولي الحميد, الفعال لما يريد, الذي خضعت له الرقاب, وذلت له جميع العباد, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا نديد, وأن محمداً عبده ورسوله سيد الرسل، وخلاصة العبيد, اللهم صل على محمد, وعلى آله وأصحابه أولي الأخلاق الفاضلة, والقول السديد, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الوعد والوعيد, وسلم تسليماً مزيداً, ما تعاقب ليل مع نهار.

أما بعد, أيها المسلمون:

اتقوا الله الملك العلام, العظيم الجبار, العزيز القهار, مكور الليل على النهار, ومحيي العظام وهي رميم, واخشوا يوماً تعرضون فيه عليه لا تخفي منكم خافية, يوم يحصل ما في الصدور, ويكون الناس إلى جنة أو نار.

واعلموا أن من تقواه - جل وعلا - المبادرة إلى حج بيته الحرام, امتثالاً لأمره, وتعظيماً لجلاله, وإحساناً ورفعة لأنفسكم, وأداء لما وجب عليها, فإنه تعالى قد أوجب عليكم الحج في كتابه العزيز فقال عز شأنه:

                  (آل عمران: 97)

 

ووقف نبيكم صلى الله عليه وسلم خطيباً بين الناس فقال: (( أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا )) رواه مسلم.

وإن من دلائل تكريمه سبحانه لكم، ورحمته بكم في باب الحج هذه الأمور:

أولاً: أنه تعالى جعل فريضة الحج إحدى الدعائم الخمس التي يرتكز عليها دينه الحنيف، فقال رسوله إليكم صلى الله عليه وسلم: (( بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان )) رواه البخاري ومسلم.

وثانياً: أنه تعالى لم يوجبه عليكم في العمر إلا مرة واحدة، حيث ثبت عن نبيه صلى الله عليه وسلم أنه قال:

(( أيها الناس: كتب الله عليكم الحج، فقام الأقرع  بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: لو قلتها لوجبت, ولو وجبت لم تعملوا بها, ولم تستطيعوا أن تعملوا بها, الحج مرة فمن زاد فهو تطوع )) رواه الإمام أحمد.

وثالثاً: أنه تعالى جعله من أسباب مغفرة الذنوب وزوالها، حيث أخرج البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه )).

والرفث هو: الجماع في حال الإحرام ومقدماته من مباشرة للنساء أو تقبيل أو نظر شهوة, ويدخل فيه: النطق بالفحش وقبيح الكلام و رديئه.

والفسوق: يشمل المعاصي كلها, معاصي القلب, ومعاصي اللسان, ومعاصي الجوارح من أيد وأقدام وعيون وآذان وفروج وغيرها.

ورابعاً: أنه تعال جعله من أعظم أسباب دخول الجنة والتنعم بما فيها من مطايب ونعم، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة )) رواه البخاري ومسلم.

والحج المبرور هو: الحج الذي ليس فيه ما يبطله من محظورات الإحرام, ولا ما ينقص ثوابه من محظورات وذنوب وسيئات.

وخامساً: أنه تعالى جعله من أسباب العتق من النار، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنوا ثم يباهي بهم الملائكة  فيقول: ما أراد هؤلاء )) رواه مسلم.

وسادساً: أنه تعالى جعله من أنواع الجهاد في سبيله، حيث قالت أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ: يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ فقال  صلى الله عليه وسلم لها: (( لكن أفضل الجهاد حج مبرور )) رواه البخاري.

وسابعاً: أنه تعالى جعل متابعته من أسباب سعة الرزق, وذهاب الفقر, ومحو الذنوب, وتكفيرها، حيث  ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد )) رواه النسائي.

وثبت عن شقيق بن سلمة ـ رحمه الله ـ أنه قال:

(( أردت الحج فسألت ابن مسعود - رضي الله عنه - فقال لي: إن تكن نيتك صادقة، وأصل نفقتك طيبة، وصرف عنك الشيطان  حتى تفرغ من عقد حجك، عدت من سيئاتك كيوم ولدتك أمك )) رواه الفاكهي. 

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة, ونفعني وإياكم بما فيهما من الأحكام والمواعظ, وأقول ما سمعتم واستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب, فاستغفروه لعلكم ترحمون.

 

 

الخطبة الثانية:ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه.

أما بعد، أيها المسلمون:

ماذا ينتظر من لم يحج فريضته بعد أن سمع هذه النصوص؟ أينتظر أن يفجأه الموت وهو لم يؤد الفريضة, أم ينتظر حتى يبتلى بمرض أو كبر يقعدانه, أم ينتظر الفقر والحاجة بعد وجود الميسرة؟ أو لم يسمع قول ربه جل وعلا له ولغيره:

             (آل عمران: 133)

 

وامتثال أمر الله تعالى بالمسارعة إلى المغفرة والجنة إنما يكون بالمبادرة والعجلة إلى الطاعات من فرائض ومستحبات قبل نزول الموت وحلوله.

ألم يسمع قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( بادروا بالأعمال ))رواه مسلم.

وثبت عن غنيم بن قيس رحمه الله أنه قال في بيان حال سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين: (( كنا نتواعظ في أول الإسلام بأربع: اعمل في شبابك لكبرك, واعمل في فراغك لشغلك, واعمل في صحتك لسقمك, واعمل في حياتك لموتك )) رواه ابن المبارك في كتاب "الزهد".

فالحذر الحذر من التكاسل عن أداء فريضة الحج مع وجود الصحة واليسار، وحصول الأمن والاستقرار, فقد ثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: (( ليمت يهودياً أو نصرانياً, ليمت يهودياً أو نصرانياً, ليمت يهودياً أو نصرانياً, رجل مات ولم يحج، ووجد لذلك سعة وخليت سبيله )) رواه البيهقي وغيره.

وثبت عن الأسود بن يزيد ـ رحمه الله ـ أنه قال لرجل موسر ولم يحج:(( لو مت ولم تحج لم أصل عليك )) رواه ابن أبي شيبة.

وثبت عن عبد الله بن معقل ـ رحمه الله ـ أنه سئل عن رجل مات ولم يحج وهو موسر فقال: (( مات وهو عاص لله )) رواه ابن أبي شيبة.

وثبت عن سعيد بن جبير- رحمه الله- أنه قال: (( لو كان لي جار موسر ثم مات ولم يحج لم أصل عليه )) رواه ابن أبي شيبة.

وقد ذهب أكثر أهل العلم ومنهم مالك وأبو حنيفة وأحمد إلى أن الحج واجب على الفور إذا توفرت الاستطاعة, ومن أخره أثم وكان عاصياً.

وقال العلامة العثيمين ـ رحمه الله ـ: كيف تطيب نفس المؤمن أن يترك الحج مع قدرته عليه بماله وبدنه وهو يعلم أنه من فرائض الإسلام وأركانه, كيف يبخل بالمال على نفسه في أداء هذه الفريضة, وهو ينفق الكثير من ماله فيما تهواه نفسه, وكيف يوفر نفسه عن التعب وهو لا يجب في العمر سوى مرة واحدة, وكيف يتراخى ويؤخر أداءه وهو لا يدري لعله لا يستطيع الوصول إليه بعد عامه, فاتقوا الله عباد الله, وأدوا ما فرضه الله عليكم من الحج تعبداً لله تعالى, ورضاً بحكمه, وسمعاً وطاعة لأمره, إن كنتم مؤمنين, ومن لم يحج مع قدرته على الحج فإن إسلامه غير تام, فانتهزوا الصحة في الأبدان, والأمن في الأوطان, أما ترون كيف يسر الله لكم الأسفار, وكيف أزال عنكم ما يصحبها من الأضرار والأخطار, تخرجون من بلادكم إلى أم القرى آمنين, وترجعون منها بصحة وعافية مطمئنين, لا تخافون عدواً ولا قاطعاً, والسفر بضعة أيام, وفي رواحل برية، ورواحل جوية, على أكمل الوجوه, وأتم الراحات, نفقات يسيرة, ونعم جليلة كثيرة, وقد بسطت لنا الأموال, ويسرت لنا الصعوبات الثقال, أما علمتم بما كان الناس يعانونه في أسفارهم قبل زمن قليل, يعانون المخاوف والقلق, والتعب في الحط والرفع, والنزول والرحيل, وينفقون نفقات باهضة, ومال كثير, ومع ذلك فهم يتلقون ما أصابهم بصدور رحبة, ونفوس طيبة, يبتغون بذلك ما عند الكريم الجليل.انتهى كلامه.

اللهم إنا نعوذ بك من قلب لا يخشع، وعلم لا ينفع، وعين لا تدمع ودعوة لا يستجاب، اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك، اللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك، اللهم إنا نسألك متابعة القرآن والسنة في أقوالنا وأفعالنا واعتقاداتنا، اللهم أرفع الضر عن المتضررين من المسلمين، اللهم ارفع عنهم القتل والاقتتال، وارفع عنهم الفتن والشرور، وارفع عنهم الخوف والجوع، اللهم قربهم إلى التوحيد وأبعدهم عن الشرك، وقربهم إلى السنة وأبعدهم عن البدع، وقربهم من الطاعة وأبعدهم من المعاصي، اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لما تحب وترضى، وأزل بهم الشرك والبدع والمعاصي، واحفظ بهم التوحيد والسنة، وأضعف بهم البغي والعدوان والظلم والفساد.

اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وسائر أهلينا وقرابتنا صغارهم وكبارهم، رجالهم ونساءهم، الحي منهم والميت، إنك سميع الدعاء.

وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

الشيخ: 
عبد القادر بن محمد الجنيد