جديد الموقع

حكم حلق شعر الرأس للرجل

تاريخ النشر: 
الأحد, كانون اﻷول (ديسمبر) 27, 2015

تحرير محل النزاع :
 
أولاً :
 
حلق الرأس للرجل [3] في النسك (حج أو عمرة)، مشروعٌ بالنص والإجماع[4] .
 

وقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حلق رأسه في حجه وفي عمره وكذلك أصحابه منهم من حلق ومنهم من قصَّر[5] .
 

وكذلك يسن حلق رأس المولود عند جمهور [6] العلماء[7] .
 

ثانيًا :

حلق الرأس لحاجةٍ كالتداوي يجوز بالإجماع [8].
 

ثالثًا :

حلق الرأس تدينًا وتعبدًا - في غير نسك -
 

اتخذه طوائف من النساك الفقراء والصوفية دينًا، حتى جعلوه شعارًا، وعلامة على أهل الدين، والنسك، والخير، والتوبة، والسلوك إلى الله، المشير إلى الفقر والصوفية والتصوف، حتى أن من لم يفعل ذلك يكون منقوصًا عندهم، خارجًا عن الطريقة المفضلة المحمودة عندهم ومن فعل ذلك دخل في هديهم وطريقهم،وهذا ضلال عن طريق الله وسبيله باتفاق المسلمين، واتخاذ ذلك دينًا وشعارًا لأهل الدين من أسباب تبديل الدين، بل جعله علامة على المروق من الدين أقرب، فإن الذي يكرهه وإن فعله صاحبه عادة لا عبادة [9].
 

محل النزاع :
 

إذا حلق رأسه لغير هذه الأمور: (لغير حاجة، ولا في نسك، ولا حلق للمولود، ولا تدينًا). فهذا موطن النزاع ومحله، وتنازع العلماء في كراهية حكمه [10]، ولا قائل بالحرمة بالاتفاق [11].

القول الأول :

الكراهة وهو مذهب المالكية [12]، وفي رواية عن أحمد يكره مطلقًا [13].    
 

أدلة هذا القول :
 

الدليل الأول :

حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يخرج ناسٌ من قبل المشرق، ويقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فُوْقِه". قيل ما سيماهم؟ قال: "سيماهم التحليق" أو قال: "التسبيد [15] " [14].
وفي رواية: "التسبيت"[16] .
 

وجه الاستدلال من الحديث أنه جعل حلق الشَّعر من علامات الخوارج وشعارهم لجميع أعيانهم، وفي كل مكان وزمان [17] ، فصار شعارًا لهم وعُرفوا به،  فيكره الحلق في غير ما تمَّ عليه الإجماع [18].
 

ونوقش:
 

لا يلزم من وجود العلامة وجود ذي العلامة، فلا يستلزم أنَّ كل من كان محلوق الرأس فهو من الخوارج والأمر بخلاف ذلك اتفاقًا [19].

الدليل الثاني :
 

حديث أبي موسى رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "أنا بريء ممن حلق وسلق وخرق" [20].

 

وفي بعض الروايات: "ليس منا من حلق وسلق وخرق".
 

وهو صريح في النهي عن الحلق.
 

ونوقش:
 

بأنَّ هذا الحديث إنَّما هو فيمن يحلق عند المصيبة سخطًا.
 

ويؤكد ذلك سبب رواية أبي موسى -رضي الله عنه- لهذا الحديث حيث إنه قد أغمى عليه فأقبلت امرأته أم عبد الله تصيح برنة، ثم أفاق فقال: ألم تعلمي أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال: "أنا بريء ممن حلق وسلق وخرق".
 

 الدليل الثالث:

حديث جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا توضع النواصي إلا في حج أو عمرة" [21].
 

ونوقش من وجهين:
 

الوجه الأول:
بأنه حديث ضعيف لا يصح ولا تقوم به حجة.
 

الوجه الثاني:
ولو ثبت أمكن حمله على معنىً، وهو أنه لا يشرع قصد التقرب إلى الله بحلق الشعر كما كان يفعل بعض مشايخ الطرق، حين يدخلون أحداً في الطريقة فإنهم يأمرونه بحلق [22]. 

 
الدليل الرابع:
 

لم يكن هديه حلق رأسه في غير نسك، بل لم يحفظ عنه أنه حلق رأسه إلا في حج أو عمرة [23].
 

الدليل الخامس:
 

قول عمر رضي الله عنه لصبيغ بن عِسل: (لو وجدتك محلوقاً لضربت الذي فيه عيناك) [24].

 

دلَّ الأثر على أنه لو كان محلوق الرأس لكانت هذه قرينة قوية، تدلّ على أنه من الخوارج الذين لا يجوز لنا التشبه بهم، وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتالهم، فأراد عمر أن يكشف عن هذه العلامة التي قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم [25].
 

ونوقش:
 

بأنَّ صنيع عمر رضي الله عنه بصبيغ من باب التعزير له؛ بسبب ما أحدثه من فتنة فيما يتعلق بمتشابه القرآن، وليس لأنه شابه الخوارج الذي لم يكن له وجود في زمن عمر أو كان لا أثر لهم.   

الدليل السادس:
 

عن ابن عباس رضي الله عنه: الذي يحلق في المِصر شيطان [26].
 

ونوقش:
 

بأنه أثر ضعيف، وفي متنه نكارة. 

القول الثاني:
 
يجوز حلق الرأس، وهو مذهب الشافعي [27]، وترك الحلق أفضل عند أحمد [28].

أدلة هذا القول:
 

الدليل الأول:
 

حديث عبد الله بن جعفر رضي الله عنه: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أمهل آل جعفر ثلاثًا، أن يأتيهم ثم أتاهم فقال: لا تبكوا أخي بعد اليوم، ثم قال: ايتوني ببني أخي فجيء، بنا كأنا أفراخ فأمر بحلق رؤوسنا [29].
 

دلَّ الحديث على جواز حلق الرأس في غير الحج والعمرة، ولو كان مكروهًا ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.
 

الدليل الثاني:
 

حديث ابن عمر رضي الله عنه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى صبيًا قد حلق بعض شعره وترك بعضه، فنهاهم عن ذلك، وقال: "احلقوه كله أو اتركوه
 

كله"[30] .
 

وهذا صريح في إباحة حلق الرأس لا يحتمل تأويلاً [31].
 

الدليل الثالث:
 

أنَّ الناس عصرًا بعد عصر يحلقون، ولم يظهر عليهم نكير، ولأنَّ في ترك الحلق مشقة [32]. 
 

الدليل الرابع:
 

لأنَّ في ترك الشعر من دون حلق مشقة في تغسيله، وتنشيفه، وتسريحه.
 

القول الثالث:
 
الحلق سنة وهو مذهب أبي حنيفة [33].
 

أدلة هذا القول:
 

الدليل الأول:
 

حديث وائل بن حجر رضي الله عنه قال: أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- ولى شعر طويل فلما رآني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ذباب ذباب" [34].قال: فرجعت فجززته ثم أتيته من الغد فقال: "إني لم أعنك! وهذا أحسن" [35].
 

دلَّ على أنَّ جزَّ الشعر أحسن من تربيته، وما جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم الأحسن كان الأحسن ولا شيء أحسن منه، ومذهبهم الاستحباب لا الوجوب لزوم ذلك الأحسن وترك ما يخالفه [36].
 

ونوقش من وجهين:
 

الوجه الأول:
 

بأنَّه ليس في الحديث ما يدلّ على أنَّ الحلق أحسن، فإنَّ غاية ما صنعه أنه جزَّ شعره، ولم يحلقه.
 

الوجه الثاني:
 

بأنَّ هذا لا حجة فيه لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قد بين أنه لم يعنِ من جزَّ شعره وهو وائل بن حجر.
 

الدليل الثاني:
 

حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
 

مربوعًا بعيد ما بين المنكبين وكانت جمته تضرب شحمة أذنيه[37] .
 

الترجيح :

الذي يظهر رجحانه أنَّ الأصل في الحلق الجواز، وأنَّ تركَه وحلقَه يدورُ مع عُرف الناس وحالهم.
 

يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
 

(اتخاذ الشعر عادة إذا اعتاده الناس فاتخذه، وإن لم يعتده الناس فلا تتَّخذه وأمَّا من ذهب من أهل العلم -رحمهم الله- إلى أنه سنة، فإن هذا اجتهاد منهم والصحيح أنه ليس بسنة وأننا لا نأمُر الناسَ باتخاذ الشعر، بل نقول إن اعتاده الناس وصار الناس يتخذون الشعر، فاتَّخذه لئلا تشذ عن العادة، وإن كانوا لا يتخذونه كما هو معروف الآن في عهدنا فلا تتخذه.
 

ولهذا كان مشايخنا الكبار كالشيخ عبد الرحمن بن سعدي والشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ عبد الله بن حميد وغيرهم من العلماء -رحمهم الله- لا يتخذون الشعر لأنه ليس بسنة ولكنه عادة -والله الموفق-) [38].

[1] الشعر: بفتح العين -شعَر- وبسكونها -شعْر.
 
[2] ولن أتطرق إلى القزع الذي هو حلق البعض وترك البعض والذي اتفق العلماء على كراهته.
     انظر: شرح مسلم للنووي (14/101).
 
[3] وأما النساء فلا يجوز الحلق في حقهن بالاتفاق، وحلق شعر رأسها مُثلة، إلا إذا كان لحاجة وضرورة.
      انظر: الإجماع لابن المنذر ص (55)، الإفصاح لابن هبيرة (1/280)، الذخيرة (13/283).
 
[4] لقوله تعالى: (مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ). [محمد:27]
     انظر: الإجماع لابن النذر (ص/58)، ابن هبيرة في الإفصاح (1/179)، المغني (5/303).
 
[5] مجموع الفتاوى (21/116).
 
[6] انظر: الشرح الكبير لدردير (2/126)، المجموع للنووي (8/432)، الكافي لابن قدامة (2/499).
 
[7] خلافا للحنفية الذين لا يرون سنية العقيقة أصلا، والحلق من توابعها فلا يسن. بدائع الصنائع (5/69).
 
[8] لقوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ) [البقرة:196].
     انظر: مجموع الفتاوى (21/117)، أحكام أهل الذمة (3/1291).
 
[9] الاستقامة لابن تيمية (1/256)، وأحكام أهل الذمة (3/1291).
 
[10] مجموع الفتاوى (21/119)،
 
[11] نقل الاتفاق ابن عبد البر كما في المغني (1/123).
 
[12] وفي حاشية العدوي (2/580): (المشهور كراهة الحلق لغير المتعمم والإباحة للمتعمم). وقال ابن العربي رحمه الله: (الشعر على الرأس زينة وحلقه بدعة، ويجوز أن يتخذ جمة، وهو ما أحاط بمنابت الشعر، ووفرة وهو ما زاد على ذلك إلى شحمة الأذنين وأن يكون أطول من ذلك).
    انظر: القوانين الفقهية (383).
 
[13] انظر: مسائل أبي داود ص (262)، مسائل ابن هانئ (2/149-150)، الإنصاف (1/123).
 
[14] سبّد رأسه وسَمَّدَه أي استَأْ صَلَه. ويقال التسبيد حَلْق الرأس فيَنْبُتُ بعد أيام شَعرُه فذلك التسبيد.
     انظر: العين للخليل (7/232)، النهاية لابن الأثير (2/333).
 
[15] أخرجه البخاري (7562).
 
[16] أخرجه أحمد (13036) عن أنس رضي الله عنه.
 
[17] وأما خوارج زمننا فعلامتهم إطالة الشعر.
 
[18] شرح البخاري للكرماني (25/248)، فتح الباري (13/537).
 
[19] انظر: شرح مسلم للنووي (7/167)، فتح الباري (13/537)، عمدة القاري (25/201).
 
[20] أخرجه مسلم (104).
 
[21] أخرجه البزار (1134)، والعقيلي في الضعفاء (4/1230)، وابنُ عدي في الكامل (6/207)، وأبو نعيم في الحلية (8/139)، والخطيب في تاريخه (3/239)، والطبراني في الأوسط (9475).
      قلت: فيه محمد بن سليمان بن مسمول، ليس بالقوى ضعيف الحديث، وكان الحميدي يتكلم فيه.
      وقال ابن عدي: (عامة ما يرويه لا يتابع عليه متنًا أو إسنادًا).
      انظر: التاريخ الكبير (1/97)، الجرح والتعديل (7/267)، الكامل (6/207).
 
[22] السلسة الضعيفة (12/481).
 
[23] أحكام أهل الذمة (3/1291).
 
[24] أخرجه الآجري في الشريعة (160)، وابن بطة (2/416)، وسنده صحيح.
 
[25] انظر: الإبانة (1/416-417) تحقيق رضا نعسان.
 
[26] أخرجه الخلال في الترجل برقم (52)، فيه عبد الرحمن بن عبيد البصري لم أقف على من ترجمه.  
 
[27] انظر: المجموع (1/295)، الإقناع (1/184).
 
[28] انظر: شرح كتاب الطهارة من العمدة لابن تيمية (1/231).  
 
[29] أخرجه أحمد (1750)، وأبو داود (4192)، والنسائي (5227) –واللفظ له-.
       قلت: إسناده صحيح. وصححه النووي في المجموع (/296)، والألباني في أحكام الجنائز (ص/21).
 
[30] أخرجه أحمد (5615)، وأبو داود (4195)، والنسائي (5048).
        قلت: إسناده صحيح، وهو في مسلم (2120) بلفظ: نهى عن القزع.
 
[31] شرح مسلم للنووي (8/130).
 
[32] الروايتين والوجهين (3/134).
 
[33] انظر: الفتاوى الهندية (5/357)، حاشية ابن عابدين (6/407).
 
[34] الذباب قيل: الشؤم، ورجل ذبابي، مأخوذ من الذباب، وهو الشؤم. شرح السنة للبغوي (12/101).
        فلا ندري معنى قوله (ذباب، ذباب) ومَن كان يعني.
 
[35] أخرجه ابن أبي شيبة (25603)، وأبو داود (4190)، وابن ماجه (3636)، والبزار (4482)، والنسائي (8/131)، والطحاوي في شرح المشكل (8/436)، والمزي في تهذيب الكمال (7/354).
      قلت: هو حديث حسن.
 
[36] شرح مشكل الآثار (8/437).
 
[37] أخرجه البخاري (3551)، ومسلم (2337).
 
 
[38] شرح رياض الصالحين (6/383).
 

الشيخ: 
عرفات بن حسن المحمدي