جديد الموقع

سلسلة من هدايات القران - الحلقة الأولى

تاريخ النشر: 
الجمعة, كانون الثاني (يناير) 1, 2016

قال تعالى )إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا(  [الإسراء : 9]
قال العلامة محمد بن أمين الشنقيطي رحمه الله في أضواءه:
هذه الآية الكريمة أجمل الله جل وعلا فيها جميع ما في القرآن من الهدى إلى خير الطرق وأعدلها وأصوبها، فلو تتبعنا تفصيلها على وجه الكمال لأتينا على جميع القرآن العظيم لشمولها لجميع ما فيه من الهدى إلى خيري الدنيا والآخرة. ولكننا إن شاء الله تعالى سنذكر جملا وافرة في جهات مختلفة كثيرة من هدى القرآن للطريق التي هي أقوم بيانا لبعض ما أشارت إليه الآية الكريمة ، تنبيها ببعضه على كله من المسائل العظام ، والمسائل التي أنكرها الملحدون من الكفار ، وطعنوا بسببها في دين الإسلام ، لقصور إدراكهم عن معرفة حكمها البالغة .
فمن ذلك توحيد الله جل وعلا ، فقد هدى القرآن فيه للطريق التي هي أقوم الطرق وأعدلها ، وهي توحيده جل وعلا في ربوبيته ، وفي عبادته ، وفي أسمائه وصفاته.
وقد دل استقراء القرآن العظيم على أن توحيد الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
·       الأول: توحيده في ربوبيته، وهذا النوع من التوحيد جبلت عليه فطر العقلاء ، قال تعالى :)ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله( الآية، وقال : )قل منيرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون(، وإنكار فرعون لهذا النوع من التوحيد في قوله : )قال فرعون وما رب العالمين( تجاهل عن عارف أنه عبد مربوب ; بدليل قوله تعالى : )قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر( الآية ، وهذا النوع من التوحيد لا ينفع إلا بإخلاص العبادة لله ، كما قال تعالى :)وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون(، والآيات الدالة على ذلك كثيرة جدا .
·       الثاني: توحيده جل وعلا في عبادته، وضابط هذا النوع من التوحيد هو تحقيق معنى «لا إله إلا الله» وهي متركبة من نفي وإثبات ، فمعنى النفي منها: خلع جميع أنواع المعبودات غير الله كائنة ما كانت في جميع أنواع العبادات كائنة ما كانت.
ومعنى الإثبات منها: إفراد الله جل وعلا وحده بجميع أنواع العبادات بإخلاص، على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام.
وأكثر آيات القرآن في هذا النوع من التوحيد ، وهو الذي فيه المعارك بين الرسل وأممهم )أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب(.
ومن الآيات الدالة على هذا النوع من التوحيد قوله تعالى: )فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك( الآية، وقوله : )ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت(، وقوله:)وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون(, فقد أمر في هذه الآية الكريمة أن يقول: إنما أوحي إليه محصور في هذا النوع من التوحيد، لشمول كلمة: «لا إله إلا الله» لجميع ما جاء في الكتب; لأنها تقتضي طاعة الله بعبادته وحده.
فيشمل ذلك جميع العقائد والأوامر والنواهي ، وما يتبع ذلك من ثواب وعقاب ، والآيات في هذا النوع من التوحيد كثيرة.
·       النوع الثالث: توحيده جل وعلا في أسمائه وصفاته. وهذا النوع من التوحيدينبني على أصلين :
§       الأول: تنزيه الله جل وعلا عن مشابهة المخلوقين في صفاتهم ، كما قال تعالى : )ليس كمثله شيء(.
§       والثاني: الإيمان بما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم على الوجه اللائق بكماله وجلاله، كما قال بعد قوله : )ليس كمثله شيء وهو السميع البصير( مع قطع الطمع عن إدراك كيفية الاتصاف، قال تعالى: )يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما(، وقد قدمنا هذا المبحث مستوفى موضحا بالآيات القرآنية «في سورة الأعراف» .
ويكثر في القرآن العظيم الاستدلال على الكفار باعترافهم بربوبيته جل وعلا على وجوب توحيد في عبادته; ولذلك يخاطبهم في توحيد الربوبية باستفهام التقرير، فإذا أقروا بربوبيته احتج بها عليهم على أنه هو المستحق لأن يعبد وحده، ووبخهم منكرا عليهم شركهم به غيره، مع اعترافهم بأنه هو الرب وحده; لأن من اعترف بأنه هو الرب وحده لزمه الاعتراف بأنه هو المستحق لأن يعبد وحده .
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: )قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار( إلى قوله: )فسيقولون الله(. فلما أقروا بربوبيته وبخهم منكرا عليهم شركهم به غيره، بقوله : )فقل أفلا تتقون(  .
وقوله تعالى : )ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله(، فلما صح إقرارهم وبخهم منكرا عليهم شركهم بقوله: )قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون(، وقوله: )ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله(، فلما صح اعترافهم وبخهم منكرا عليهم بقوله : )قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون(، وقوله تعالى: )آلله خير أم ما أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها(، ولا شك أن الجواب الذي لا جواب لهم البتة غيره: هو أن القادر على خلق السماوات والأرض وما ذكر معها خير من جماد لا يقدر على شيء, فلما تعين اعترافهم وبخهم منكرا عليهم بقوله : )أإله مع الله بل هم قوم يعدلون(، ثم قال تعالى : )أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا(, ولا شك أن الجواب الذي لا جواب غيره كما قبله، فلما تعين اعترافهم وبخهم منكرا عليهم بقوله:)أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون(، ثم قال جل وعلا: )أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض( ولا شك أن الجواب كما قبله. فلما تعين إقرارهم بذلك وبخهم منكرا عليهم بقوله: )أإله مع الله قليلا ما تذكرون(، ثم قال تعالى : )أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته(، ولا شك أن الجواب كما قبله ، فلما تعين إقرارهم بذلك وبخهم منكرا عليهم بقوله: )أإله مع الله تعالى الله عما يشركون(، ثم قال جل وعلا :)أمنيبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض(، ولا شك أن الجواب كما قبله ، فلما تعين الاعتراف وبخهم منكرا عليهم بقوله : )أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين(.
والآيات بنحو هذا كثيرة جدا؛ ولأجل ذلك ذكرنا في غير هذا الموضع أن كل الأسئلة المتعلقة بتوحيد الربوبية استفهامات تقرير، يراد منها أنهم إذا أقروا رتب لهم التوبيخ والإنكار على ذلك الإقرار; لأن المقر بالربوبية يلزمه الإقرار بالألوهية ضرورة; نحو قوله تعالى : )أفي الله شك(، وقوله: )قل أغير الله أبغي ربا(، وإن زعم بعض العلماء أن هذا استفهام إنكار; لأن استقراء القرآن دل على أن الاستفهام المتعلق بالربوبية استفهام تقرير وليس استفهام إنكار ، لأنهم لا ينكرون الربوبية ، كما رأيت كثرة الآيات الدالة عليه .
والكلام على أقسام التوحيد ستجده إن شاء الله في مواضع كثيرة من هذا الكتاب المبارك، بحسب المناسبات في الآيات التي نتكلم على بيانها بآيات أخر . (يتبع)

 
المصدر
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
للعلامة محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي رحمه الله تعالى (3 / 17).

الشيخ: 
محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي