جديد الموقع

شيء من المظاهر السيئة في بيوع الناس ومعاملاتهم

تاريخ النشر: 
السبت, كانون الثاني (يناير) 2, 2016

الخطبة الأولى:ــــ

الحمد لله تعاظم ملكوته فاقتدر، وتعالى جبروته فقهر، رفع وخفض، وأعز ونصر، وهو العليم بما بطن وظهر، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، أحل الحلال وبين طريقه، وبالطيبات أمر، وحرم الحرام، وأوضح سبيله، وعن الخبائث زجر.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، المؤيد بالبراهين الدالة على صدقه وكماله، أرحم الخلق بالخلق، وأنصح الناس للناس، وأشفق العباد بالعباد، بين لهم الخبائث وحرمها، وبين لهم الطيبات وأحلها، وفي المآكل والمشارب والمساكن واللباس والمكاسب وأنواع المعاملات، فصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آل بيته ذكوراً وإناثاً، وأصحابه السادة الغرر، والتابعين ومن تبعهم بإحسان، ما ليل أدبر، وصبح أسفر، وأذن مؤذن الله أكبر.

أما بعد، أيها المسلمون:

اتقوا الله ربكم حق تقاته، اتقوه في أنفسكم وأهليكم، واتقوه في أعمالكم وأموالكم، واتقوه في بيعكم وشرائكم، واتقوه فيما تأكلون وما تطعمون وما تنفقون وما تدخرون، واتقوه في جميع عقودكم ومعاملاتكم : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ }.

واعلموا أن تقواكم لربكم سبحانه لا تتم إلا باتباع شرعه ودينه الطيب القويم في العبادات فيما بينكم وبينه، وفي المعاملات فيما بينكم وبين خلقه، وذلك بأن توقعوها على الوجوه الشرعية، والطرق الصحيحة المرضية، وتجنبوها الغش والكذب والخداع والتدليس والتغرير، فقد قال سبحانه زاجراً لكم ومحذراً:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ }.

وقال رسول صلى الله عليه وسلم محذراً ومرهباً: (( إِنَّهُ لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ ))، رواه الإمام أحمد وغيره، وصححه العلامة الألباني.

وقد أوجب الله تعالى عليكم في المعاملات من بيع وشراء وإجارة وصيانة وعلاج وعقود وأعمال الصدق والبيان، ونهاكم عن الغش والخديعة والكتمان والتغرير والتدليس والتلبيس مع الناس جميعاً، ذكرهم وأنثاهم، صغيرهم وكبيرهم.

وقد صح عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: (( أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا فَقَالَ: مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟ قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ، مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي )).

فمن كتم عيباً في سلعة وبضاعة وعَرَض، أو خدع في حرفته وصناعته وصيانته، أو تلاعب في تطبيبه وعلاجه وأدويته وتحاليله، أو دلَّس في ثمنٍ أو وصفٍ أو شروطِ عقد وصفقة، أو كذب في إظهار وصفٍ يُرَغِّبُ وهو على غير صفته، فهو غاش، والغاش للناس  مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب، وتبرأ منه سيد المرسلين، وعابه وقبحه، وأهانه وحقره.

أيها المسلمون:

صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا )).

فأخبر سيد ولد آدم، نبي الرحمة، الشفيق على الخلق، والحريص على استقامة أمورهم وأحوالهم - صلوات الله وسلامه عليه - في هذا الحديث العظيم:

أن الصدق والبيان واجب في البيع والشراء، موجب للبركة والخير والنماء، وأن الكذب والكتمان محرم، ماحق للبركة.

أيها المسلمون:

دونكم بعض المظاهر المظلمة، والصور البشعة، والأعمال السيئة، والخلال الرديئة، والفِعال القبيحة، التي تقع وتظهر في معاملات بعض من ضعف إيمانه، وغره شيطانه، وألهته دنياه، وأردته شهوته:

المظهر الأول:

أن تأتي إلى طبيب لطلب علاج ومداواة فتراه في مداواته ودوائه يضعف إيمانه، وينقص دينه، وتنخفض مراقبته لربه، ويقل تذكره لآخرته فينظر حينها إلى مصلحة نفسه وزيادة أجره ونسبته المالية، أو إلى مصلحة المستشفى الذي يعمل فيه، أو إلى مصلحة الشركة الدوائية التي يكتب للمريض أدويتها، حيث يكتب ويقرر للمريض من التحاليل أو الأشعة أو الأدوية أو الأجهزة أو القطع من جهة أنواعها وتعدادها وتكلفتها ما لا يُحتاج إليه، أو ما غيره أنفع منه وأجود ويحقق المقصود، وهو أقل في الثمن، ناهيك عن زيادة الكسب والتكسب بلا احتياج، ومن غير سبب معتبر ومطابق، عن طريق باب الترقيد والتنويم في المستشفى، وباب الإسراف في الفحوصات والعمليات.

ولا فرق في ذم ذلك وتقبيحه واستهجانه وتحريمه بين أن تكون تكلفة العلاج على حساب شركة التأمين، أو على حساب المريض، أو على حساب الحكومة، أو كان دافع المال غنياً أو فقيراً، أو كان من بلد الطبيب أو من غير بلده، أو من معارفه أو من الأباعد.

المظهر الثاني:

أن تذهب إلى السوق لتشتري من دكاكينه ومحلاته سلعة فترى البائع لا ينظر إلا إلى مصلحة متجره، أو الدكان الذي يعمل فيه، وكيف يُدخل عليه من الربح أكثر، وتَحْصُل له منه عمولة أكبر، ثم هو يخرج من هذه البيعة وقد كذب على المشتري في أشياء، أو غبنه في الثمن فباعه السلعة بربح فاحش، أو دلَّس عليه فوصف سلعته بما ليس فيها وما لا تستحق، أو وصفها بأنها أصلية وهي مقلدة، أو أظهر للمشتري أنه يريد مصلحته والأفضل له فيما يختار من سلعة، وهو في الحقيقة لا يريد بذلك إلا وثوقه بما يقول، حتى لا يخرج من عنده إلا وقد اشترى، وربما زاد على ذلك أيماناً كاذبة، وذماً بالباطل لبضاعة غيره.

المظهر الثالث:

أن تضع سيارتك أو جهازك أو آلتك أو معدتك عند من يقوم بصيانتها وإصلاحها، ثم هو بعد ذلك يغبنك فيأخذ عليك سعراً فاحشاً، أو يكون العيب يسيراً فيظهره لك كبيراً ليأخذ منك مالاً أكثر، أو يخدعك فيظهر لك أنه قد نصح لك واجتهد وأصلح بسعر أقل لتثق به وتأتي إليه مرة أخرى، والأمر ليس كذلك.

وبعضهم قد ينهب من سيارتك أو جهازك أو آلتك أو معدتك قطعة أصلية فيضع مكانها مقلدة، أو تكلفه بشراء قطعة جديدة فيضع مكانها قطعة من عنده أو من عند غيره مستعملة، أو يأتيك بفاتورة فيها سعر القطعة وهو قد تواطأ مع البائع على كتابتها بغير السعر الذي اشتراها لك به.

المظهر الرابع:

أن تتفق مع عامل مهني أو صاحب حرفة وصنعة لإصلاح شيء أو تمديد كهرباء أو إقامة بناء أو صيانة عقار أو إنجاز عمل في مدة معينة ثم إذا أبرم معك العقد واتفقت معه، إذا به يجد عقداً أو صفقة أو عملاً فيه من الربح ما هو أكثر، فلا ينجز لك عملك في مدته، ويماطلك ويتعبك في طلبه والبحث عنه ليكمل ما بقي من عمله، وكلما لقيته أو هاتفته أعطاك موعداً ثم هو لا يأتي فيه، ومرة يعتذر إليك بأنه قد مرض، وفي أخرى بأن قريباً له قد مات، ومرات لا يرد على اتصالك به، وليس فيه إلا علة الطمع والجشع، صرفته إلى العمل الجديد وما فيه من ربح أكثر.

ومن كانت هذه حاله فقد أهان نفسه وأسفلها وأضرَّ بها حيث كذب في تعذره واعتذاره، وأخلف وعده، وماطل في الحقوق، وآذى أصحابها وكدرهم، وتشبه بقوم مذمومين، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ )).

وخالف أمر ربه له حيث قال سبحانه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ }.

أقول قولي هذا وأستغفرالله لي ولكم، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية: ـــ

الحمد الله العزيز الجبار، الملك القهار، مكور الليل على النهار، وجاعل الظلمات والنور، والصلاة والسلام على نبيه المجتبى من بني عدنان، وآله وصحابته الكرام.

أما بعد، أيها المسلمون:

لأن طلبتم المال وبركته ونفعه الطيب لكم ولأهليكم وبلادكم فاطلبوه من وجه طيب حلال، فإن المال الحلال مبارك، إن أكلتموه أو أطعمتموه لمن تعولون أو تصدقتم به أو ورَّثتموه لمن بعدكم فهو مبارك، ويكتب لكم به الأجر، ويزيد في حسناتكم.

وإياكم أن تختاروا مقت ربكم وغضبه وأليم عقابه فتكسبوا المال وتكتسبوه من وجه حرام، فإن المال الحرام منزوع البركة، وماحق لما خالطه وحلَّ به، إن أكلتموه فقد أكلتم حراماً، وإن تصدقتم به لم يقبل منكم، وإن تركتموه للورثة كان في صحيفة سيئاتكم، ورجعتم منه بالصفقة الخاسرة غير الرابحة، حيث بعتم الدين والآخرة بعرَض وحطام يسير من الدنيا، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ، النَّارُ أَوْلَى بِهِ )) ويعني بذلك: جسم تغذى ونبت من مال حرام.

أيها المسلمون:

بادروا بالتوبة النصوح والإقلاع عن الغش والخداع والكذب والكتمان والتدليس والتغرير والوعود الكاذبة ومماطلة الناس في البيع والشراء، وسائر المعاملات والعقود، وما لهم من حقوق وجبت عليكم، قبل الأخذ بالنواصي والأقدام، يوم يبعثر ما في القبور، ويحصل ما في الصدور، ولا ينفع درهم ولا دينار، ولا تكونوا عبيداً لأهوائكم ومطامعكم، وكفوا جشع قلوبكم، ومن كانت بينه وبين الناس مظلمة في مال بسبب الغش والخداع والتدليس والتغرير في المعاملات والبيع الشراء فليخرج منها بالتحلل منهم قبل أن يتعذر الوفاء عليه إلا من أعماله الصالحة، فيؤخذ من حسناته وتعطى لخصمائه، فإن فنيت حسناتهم أخذ من سيئاتهم وطرحت عليه، فقد صح عن النبي صلى الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه: (( أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ )).

واعلموا أن الخير والبركة، وتيسير الرزق وازدياده، والسعادة به والطمأنينة إنما هي في النصح الذي لا غش فيه، والصدق الذي لا كذب معه، وأن القليل مع تقوى الله فيه، خير من الكثير الذي جاء بطرق مذمومة، وسبل مريبة، وصور مشينة.

وقد صح عن أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها قالت: (( كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ غُلاَمٌ يُخْرِجُ لَهُ الخَرَاجَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَوْمًا بِشَيْءٍ فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ الغُلاَمُ: أَتَدْرِي مَا هَذَا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لِإِنْسَانٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَمَا أُحْسِنُ الكِهَانَةَ، إِلَّا أَنِّي خَدَعْتُهُ، فَلَقِيَنِي فَأَعْطَانِي بِذَلِكَ، فَهَذَا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ، فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ، فَقَاءَ كُلَّ شَيْءٍ فِي بَطْنِهِ )).

فانظروا - سلمكم الله - إلى صديق الأمة وخيرها بعد نبيها أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ حيث أخرج من بطنه طعاماً دخل إليه من كسب فيه مخادعة، وكسبه غيره، حتى لا يتأثر به جسده وينمو منه، فكيف بمن يأكلون الحرام البين الواضح، ومن كسب أيديهم، ألا يخافون؟ ألا يرعوون؟ ألا يتوبون عن أكلهم السُّحْت لبئس ما كانوا يعملون.

فاللهم اغننا بحلالك عن حرامك، ويسر لنا في الأرزاق، وبارك لنا في أقواتنا وأوقاتنا وأعمارنا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا تلهنا بحطامها عن آخرتنا، ووفقنا لما ينفعنا في معادنا، اللهم جنبنا الكذب والغش، وارزقنا الصدق والنصح.

اللهم قاتل كفرة أهل الكتاب الذين يكذبون رسلك، ولا يؤمنون بكتابك، ويقتلون أهل دينك، اللهم خالف بين كلمتهم، وألق الرعب في قلوبهم، وأنزل عليهم رجزك وعذابك إله الحق.

اللهم ارفع الضر عن المتضررين من المسلمين، اللهم ارفع عنهم القتل والاقتتال والخوف والجوه والأمراض والأوبئة.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين إلى الخير والهدى، والرشد والسداد، والصلاح والإصلاح، والاجتماع والائتلاف.

اللهم اغفر لنا ولوالدينا، وسائر أهلينا، والمسلمين أجمعين، إنك أنت الغفور الرحيم.

الشيخ: 
عبد القادر بن محمد الجنيد