جديد الموقع

كلمة توجيهية لفضيلة الشيخ العلامة ربيع بن هادي المدخلي حفظه الله

تاريخ النشر: 
الأحد, كانون الثاني (يناير) 3, 2016

قال - حفظه الله تعالى -:

 

شأنُ التَّقوى شأنها عظيم؛ كم أثنى الله على المتقينَ! وكم حثَّ على التَّقوى! وكم بيَّن ما لهم عند الله-سبحانه وتعالى-من الجزاء العظيم!.

فعلينا بتقوَى الله-تبارك وتعالى-، والاستقامة على دِين الله الحقِّ في عقائدنا، ومناهجنا، وعباداتنا، وسائر شئون حياتنا.

التَّقوى: الاستقامةُ على الحقِّ والثَّبات عليه، والبُعْدَ عن كلِّ ما يسخط الله-تبارك وتعالى-، ويخالف كتاب الله وسُنَّة رسوله-صلَّى الله عليه وسلَّم-من العقائد، والمناهج، والأخلاق.

علينا بالاعتصام بِحَبْل الله؛ وهذا يشمل كلَّ شيءٍ جاء به الإسلام.

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّـهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] ؛ لا تتركوا ممَّا جاء في كتاب الله وسُنَّة رسوله الله شيئًا إلَّا واعتصمتم به، وتمسكتم به.

أو: لا يتخلَّف أحدٌ منكم عن هذا الاعتصام بِحَبْل الله، وهو كتاب الله، وسُنَّة رسوله-صلَّى الله عيه وسلَّم-.

وعليكم بالإخلاص لله ربِّ العالمين.

﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّـهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾؛ يعني: مائلين عن الشِّرك، على مِلَّة إبراهيم-عليه الصَّلاة والسَّلام-، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّـهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥].

 

الدِّينُ القيِّم الحقُّ؛ إخلاصُ الدِّين لله في كلِّ شأنٍ من الشُّؤون، فيما يرضِي الله-سبحانه وتعالى-؛ باتباع أوامره و اجتناب نواهيه.

﴿حُنَفَاءَ﴾ : على طريقة محمَّد وإبراهيم-عليهما الصَّلاة والسَّلام-، على التَّوحيد، بَعيدِين كلَّ البُعد عن الشِّرك بالله-تبارك وتعالى-، وعن سائر المحرَّمات.

﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ : الصَّلاة أمرٌ عظيم، الرُّكن الثَّاني بعد الشَّهادتَين.

﴿وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ :الرُّكن الثَّالث.

 وإذا قاموا بهذه الأشياء؛ قاموا بسائر الإسلام-إن شاء الله-، ﴿وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾.

 وعليكم بالتَّآخي فيما بينكم، والتَّلاحم، والتَّعاون على البرِّ والتَّقوى، والبُعد عن الفُرقة وكلِّ أسبابها.

الذي يحترمُ الدَّعوة السَّلفية؛ يَحتمِل هذا المنهج، يبتعدُ عن كلِّ الأسباب التي تثير الخلافات والفُرقة.

بعضُ النَّاس يثيرون أسباب الفُرقة، ويثيرون الفتن؛ فيمزِّقون السَّلفيين تمزيقًا، هذه ليست من المنهج الصَّحيح، ولا من المنهج السَّلفي، ولا من منهج الصَّحابة والتَّابعين.

بعضُهم يتحرَّى الأسباب التي تُفرِّق وتمزِّق، هؤلاء لا يؤتمنون على دِين الله- تبارك وتعالى-، ولا يُصدَّقون في دعواهم السَّلفية، ويجب أن تُسلَّط عليهم الأضواء-كما يقال-.

لماذا تتعاطى أسباب الفُرقة؟!

لماذا تفرِّق السَّلفيين؟!

الذي يُخطئ؛ يُنصَح بالحكمة وباللُّطف وبالرِّفق.

«مَا كَانَ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا نُزِعَ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ»([1]).

عليكم بالأخلاق العالية من الصَّبر، والحِلم، والصِّدق-بارك الله فيكم-، والثَّبات على الحقِّ.

﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّـهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾  [الأحزاب: ٢١] ، والله يقول فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] ، ويقول: «بعثتُ متمِّما لمكارم الأخلاق»([2]).

مكارم الأخلاق أمرٌ عظيم -بارك الله فيكم-.

مكارم الأخلاق والمـ [...]([3]) لمكارم الأخلاق.

فضعُوا هذه الأشياء نَصب أعينكم: تقوى الله، والإخلاص له، والإحسان لعباد الله، والتَّآخي فيما بينكم، والبُعد كلَّ البُعد عن أسباب الفُرقة، والصَّبر، والحِلم، والتَّناصح بالحكمة والموعظة الحسنة.

﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] ؛ مَا بالجفاء والغِلظة، والسَّبِّ والشَّتم، والتَّنفير، لا؛ هذه ليست من هَدي السَّلف.

عليكم بالتَّحاب في الله، والتَّواد فيه، والتَّزاور فيه؛ «وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ» -بارك الله فيكم- «وَالمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ»([4]).

هذه أمورٌ عظيمة لا بُدَّ منها، لا بُدَّ من القيام بها في أوساط السَّلفيين، يغفلُ كثيرٌ من النَّاس عن هذه الأشياء؛ وهي ضروريةٌ لا بُدَّ منها.

 «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا»([5]).

«وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا»؛ افهمُوا هذا.

«أَوَ لَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ»([6]).

أفشوا السَّلام  لقصد تحقيق هذا الإيمان المُوصِل إلى دخول الجنَّة.

لا تسلُّموا بَس كعادة؛ سلِّم على أخيك تَقَرُّبًا إلى الله وعبادة، وهدفُك من هذا التَّلاحم والتَّآخي والمحبَّة.

  «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا».

افهمُوا هذا؛ لا بُدَّ من التَّحاب.

لا يتحقَّقُ الإيمان ويَكمُل إلَّا بمحبَّة مَن يحبُّه الله وما يحبَّه الله.

«أَوَ لَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؛ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ».

إفشاءُ السَّلام الخالص لوجه الله-عزَّ وجلَّ-، بارك الله فيك، يتحقَّق الإيمان المطلوب المؤدِي إلى دخول الجنَّة.

واحذرُوا من الأسباب التي تُبعدكم عن الجنَّة ومنها التَّباغض، مو[...]([7]) للمستقيم على دِين الله أمره خطيرٌ جدًّا؛ ابغِض ما يبغضه الله، وتحبُّ ما أحبَّه الله، نبغض الكفر، ونبغض البدع والضلالات، ونبغض أهلها؛ تقرُّبًا إلى الله-سبحانه وتعالى-.

أمَّا مَن هو على دِين الله الحقِّ تُبغِضُه؟! وتكرهه؟!

فهذا والله أمرٌ خطيرٌ جدَّا جدًّا، يهزُّ الإيمان أو يزلزله، ويبعدك عن دخول الجنَّة-بارك الله فيكم-.

فتآخُوا، وتوادُّوا، وتحابُّوا، وتزاورُوا فيما بينكم، وكونوا كالبُنيان المرصوص، كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ؛ تداعَى له سائر الجسد بالسَّهر والحمَّى، كالجسد الواحد.

«مَثَلُ المُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ» كالجسد الواحد «فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ» تأمًّلوا هاتين النقطتين!

مثلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم كالجَسَدِ الواحد، إذا اشتكَى منه عضوٌ؛ تداعَى له سائر الجسد بالسَّهَر والحمَّى([8]).

والله! المؤمنُ الصَّادق، السَّلفي الصَّادق يتألَّـم للسَّلفي ولو كان في أقصى اليابان، أو أقصى أمريكا، يفرحُ بما يسرُّه، ويحزن لِـمَا يضرُّه.

حقِّقُوا هذه العقيدة، وهذا المنهج، وهذه الأخلاق.

سدَّد الله خُطَاكم، وجمع القلوب على الحقِّ، وثبَّتنا وإيَّاكم على هُداه، إنَّ ربَّنا سميع الدُّعاء.

وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد، وعلى آلِه وصحبه وسلَّم.

سُجِلَت فِي بَيْتِه العَامِر بِمَكَّة المُكَرَّمَة-حَرَسَهَا اللهُ- الأَرْبِعَاء المُوَافِق الثَّانِي والعِشرِين مِن شَهرِ جُمَادَى الأُولَى عَامَ أَربَعَةٍ وَثَلاثِينَ وَأَربَعمائِةٍ وَأَلف مِن الهِجرَة

([1]) رواه مسلم (2594) عن عائشة-رضي الله عنها-، عن النبيِّ-صلَّى الله عليه وسلَّم-، قال: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ».

 

([2]) يشير فضيلة الشيخ-سلَّمه الله-إلى حديث رسول الله-صلَّى الله عليه وسلَّم-:«إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ» وفي رواية: «صَالِح الْأَخْلَاقِ»، وقد صحَّحه العلَّامة الألباني-رحمه الله-في «السلسلة الصحيحة» (1/112رقم45).

 

([3])  كلمة غير واضحة بالتسجيل، ولكن المعنى مفهوم من خلال السياق، ولله الحمد.

 

([4]) أخرجه الإمام أحمد (22030) وصحَّحه محققو «المسند»، وقال النووي في كتابه «رياض الصالحين» عقب ذلك الحديث: حديثٌ صحيح رواه مالِكٌ في المُوطَّأ بإِسنادِهِ الصَّحيحِ.اهـ

 

([5]) رواه مسلم (54).

 

([6]) رواه مسلم (54).

 

([7]) كلمة غير واضحة بالتسجيل، ولكن المعنى مفهوم من خلال السياق، ولله الحمد.

 

([8])  يشير فضيلة الشيخ-حفظه الله تعالى وسدده-إلى حديث رسول الله-صلَّى الله عليه وسلَّم،-عن النعمان بشير-رضي الله عنه-: «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ؛ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» متفقٌ عليه. وفي رواية عند الإمام أحمد(18393): «كَرَجُلٍ وَاحِدٍ». 

الشيخ: 
ربيع بن هادي عمير المدخلي